التمدد الميداني للإسلاميين يزعزع الأمن في الولايات الوسطى

نورا عثمان

تشهد مناطق سنار والجزيرة والنيل الأبيض تصاعدًا ملحوظًا في نشاط الجماعات الإسلامية المسلحة، وعلى رأسها ما يُعرف بـ«كتائب البراء». هذه المجموعات، التي تعود جذورها إلى التنظيمات الإسلامية التقليدية، لم تعد مجرد قوة رمزية أو أيديولوجية، بل أصبحت تمارس تأثيرًا فعليًا على الأرض، مغيرةً المشهد الأمني والسياسي في هذه الولايات الحيوية.
ما يثير القلق هو أن التمدد الميداني لهذه الكتائب لم يأتِ في فراغ، بل جاء نتيجة ضعف سلطة الدولة وانشغالها بأزمات متعددة، ما أتاح لهذه الجماعات أن تفرض واقعًا جديدًا على السكان المحليين، يضم السيطرة على مناطق استراتيجية، وفرض قوانين محلية، أحيانًا بالقوة، وأحيانًا من خلال النفوذ الاجتماعي والسياسي. هذا الواقع الجديد يثير مخاوف جدية حول استتباب الأمن والاستقرار في هذه الولايات، ويعقد أي جهود لإعادة بناء الثقة بين السلطات والمجتمع المدني، ويعيد إلى الواجهة سؤال سيادة الدولة على كامل أراضيها.
الوضع الراهن في سنار والجزيرة والنيل الأبيض يمثل تحذيرًا من تداعيات التوسع الميداني للجماعات الإسلامية المسلحة، ويكشف عن هشاشة البنية الأمنية المحلية في مواجهة التمدد غير المنضبط لهذه الكتائب. فغياب استراتيجية شاملة لمواجهة هذه الظاهرة سيؤدي بلا شك إلى مزيد من الاحتكاكات المسلحة، وإضعاف مؤسسات الدولة، وربما فتح الباب أمام تحولات أكبر تهدد استقرار السودان ككل.
التحرك الآن يجب أن يكون مزدوجًا: على المستوى الأمني لمواجهة التمدد المسلح، وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي لمعالجة جذور الانتماء لهذه الجماعات، وتقديم بدائل حقيقية للسكان المحليين. فالأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يستند إلى بناء مجتمع متماسك، يحظى بالثقة في مؤسسات الدولة، ويستطيع مقاومة أي اختراق أيديولوجي أو مسلح يعيد إنتاج الانقسامات والصراعات القديمة.
انتشار كتائب البراء في هذه الولايات ليس مجرد تحدٍ أمني فحسب، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة السودانية على فرض سلطتها وإعادة رسم الحدود بين القانون والنفوذ المسلح. وإذا لم تُبادر السلطات والمجتمع المدني إلى استعادة السيطرة، فإن ما نراه اليوم قد يكون مجرد بداية لموجة أوسع من عدم الاستقرار قد تمتد إلى مناطق أخرى في السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.