الجيش السوداني حزب سياسي يقوده شخص مدني

حافظ يوسف حمودة

بدأت نواة ما يمكن تسميته بـ”حزب الجيش” بالتشكّل منذ سبعينيات القرن الماضي ، حين شرع الإسلاميون في التغلغل المتدرج داخل مفاصل المؤسسة العسكرية السودانية . وبمرور الوقت ، تحولت المؤسسة العسكرية إلى ما يشبه الملكية الخاصة لتنظيم الحركة الإسلامية ، وهي حقيقة لا تستند إلى التحليلات وإنما تدعمها اعترافات موثقة من قادة عسكريين ورموز من الحركة الإسلامية نفسها ( كما ورد في تقارير المركز الأفريقي للتنمية المحلية ) على الرابط :https://2u.pw/mUnTmO.
لا يهمنا هنا رفض الحركة الإسلامية المسار الديمقراطي على الدوام أو سعيها المستمر للوصول إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية ، ولكن الأهم فهم المعضلة الكبرى في نجاحهم في تحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى “حزب سياسي” يخضع فعلياً لرئاسة شخصية مدنية وهذا هو جوهر الأزمة السودانية . هذا الواقع المعقد بدأ المجتمع الدولي ينتبه إليه مؤخراً وبقلق متزايد ، حيث توالت الإشارات الدولية التي ترصد هذا التداخل العضوي:
في خلال الأشهر الماضية ، ظهرت إشارات دولية عديدة تعكس قلقًا متزايدًا من هذا التداخل العضوي بين الإسلاميين والجيش . فمجلة “لو بوان” الفرنسية أشارت في تقرير إلى أن استمرار النزاع يعود إلى تغلغل جماعة الإخوان داخل المؤسسة العسكرية . فيما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على جماعات مسلحة ذات توجه إسلامي ، ووصفت بيئة العمليات بأنها “متداخلة”. كما لفتت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية إلى عودة عناصر من النظام السابق إلى دوائر النفوذ السياسي والأمني.
وفي السياق نفسه ، حذّرت الأمم المتحدة من استغلال الحرب لإعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة داخل مؤسسات الدولة ، وهو ما فسره مراقبون كإشارة ضمنية إلى إرث ثلاثة عقود من “التمكين” الذي اختلطت فيه الحركة الإسلامية بمؤسسات الجيش والأمن . كما نقلت وكالة “رويترز” عن محللين رأيًا مفاده أن بعض الإسلاميين يسعون لاستعادة نفوذهم عبر دعم الجيش في الحرب ، مستفيدين من علاقات تاريخية تعود إلى عهد البشير . وتحليلات مشابهة صدرت عن مراكز بحثية غربية ، منها “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” ، التي رأت أن صعود التيار الإسلامي قد يعقّد ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب ويؤثر على علاقات الجيش الإقليمية.
تحول المؤسسة العسكرية إلى ذراع حزبي يأتمر بأمر قيادة مدنية أيديولوجية يمثل “أس البلاء” في الأزمة السودانية . وهذا الأمر تجاوز الشأن الداخلي وبات حقيقة ماثلة أمام المجتمع الدولي ، الذي يدرك الآن أن أي استقرار في السودان يمر حتماً عبر فك الارتباط بين “بندقية الجيش” و”أجندة الحزب” ، وهذه العملية لا تحتاج إلى تفاوض أو أدوات ناعمة ولكن تحتاج إلي إستئصال الورم الخبيث من جسد الجيش ومن جسد المجتمع نفسه وذلك يتم بإلتحام القوى المدنية والعسكرية على إمتداد الوطن لإنقاذ وجود الدولة وبناء مؤسساتها المهنية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.