ألف يوم، رقمٌ يعكس حجم المأساة التي يعيشها السودان منذ 15أبريل 2023، تاريخ انطلاق حرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع دمرت البلاد وأدت، وفقاً للأمم المتحدة، إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم. ألف يوم ليست مجرد رقم يتراكم في التقويم، بل جوع ونزوح ومرض وصمت دولي، في وقت يدفع المدنيون وحدهم ثمن حرب لم يختاروها ولا تبدو نهايتها تلوح في الأفق.
أرقام تُثقل الضمير
المأساة السودانية تكشفها الأرقام التي جعلت الصمت بحد ذاته جريمة. أسفر العنف المرتبط بالنزاع في عام 2025 وحده، عن مقتل أكثر من 17000شخص في مختلف أنحاء السودان. ومنذ بداية القتال يُقدر إجمالي عدد الوفيات بنحو 150 ألفاً، معظمهم مدنيون فيما يعاني 21.2 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي.
والأمر لا يتوقف عند القتل والجوع والاغتصاب فحسب، فالأطفال يدفعون الثمن الأغلى، فبحسب اليونيسف، نزح 5000 طفل يومياً منذ بدء النزاع، يلاحقهم العنف أينما لجأوا، ووراء كل رقم مما سبق طفل خائف، وآخر جائع، ونظيره مريض، يتساءلون لماذا لا يهبّ العالم لنجدتنا؟
أزمة تتجاوز الحدود
الحرب التي بدأت كشأن داخلي تعدت الحدود، إذ أُجبر أكثر من 13 مليون شخص على النزوح من ديارهم، بينهم 9.3 ملايين داخلياً، و4.3 ملايين آخرين عبر الحدود إلى دول الجوار.
تستضيف تشاد وحدها عدداً هائلاً منهم، وتمتد موجات النزوح لتطال مصر وإثيوبيا وجنوب السودان وليبيا وأوغندا وأفريقيا الوسطى. هذا الانتشار للأزمة بات متصلاً اتصالاً عضوياً باستقرار المنطقة بأسرها، فدول الجوار أصبحت تتحمل أعباءً اقتصادية واجتماعية متصاعدة، لتصبح الحرب السودانية أزمة إقليمية بامتياز.
مؤتمرات كثيرة وأثر محدود
منذ اندلاع الحرب، تعددت المبادرات والمؤتمرات الدولية لإنهاء النزاع: جدة، وأديس أبابا، والقاهرة، وجنيف، وصولاً إلى الجلسة الوزارية لمجلس الأمن الدولي في شباط/فبراير 2026، وكل هذه المساعي لم تسفر إلا عن بيانات، وهدنات موقتة سرعان ما كان مصيرها الانهيار.
لكن المفارقة أنه في ظل هذه المأساة يظل حجم الاهتمام الدولي والإعلامي محدوداً لا يتناسب مع حجم الوضع الحقيقي على الأرض، أو النزاعات الأخرى في العالم.
المنظمات الإنسانية تؤكد أن عدم الاهتمام الإعلامي الكافي على المستوى العالمي يُفسّر جزئياً غياب الضغط الشعبي والسياسي الدولي الكافي لدفع الأطراف نحو تسوية حقيقية، إضافة إلى أزمات متعددة شتتت الانتباه، وجعلت من السودان ملفاً يُذكر بتوجيه عبارات القلق للضحايا، لكن لا يُعالَج.
ما العمل؟
رغم أن الحل ليس سهلاً، هناك أمور لا يمكن تجاهلها للبدء بإنهاء هذا الأزمة، أولها فتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة، لإيصال المساعدات، بخاصة إلى المناطق الأشد احتياجاً التي يصعب الوصول إليها بسبب اشتراطات سياسية وعسكرية معقدة.
ثانيها إعادة الاعتبار لدور المجتمع المدني السوداني، فالسودانيون ليسوا مجرد ضحايا ينتظرون الحل من الخارج؛ بل ثمة نسيج اجتماعي وقبلي ومهني قادر على المساهمة في بناء تفاهمات محلية تسبق أي تسوية سياسية شاملة، فالسلام الذي يأتي من القاعدة أكثر ديمومة مما يُفرض من الأعلى.
ثالثا يجب على المجتمعات الدولية التحرك والضغط الجاد على جميع أطراف النزاع للوقف الفوري لاستهداف المناطق السكنية والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الأسواق ومنشآت الكهرباء والمياه.
فالسودانيون منذ ألف يوم لا يزالون صامدين لكن الصمود له حدود، والمجاعة لا تنتظر مؤتمرات، والأطفال الجوعى في المخيمات لا يفهمون لغة البيانات الديبلوماسية.
وفي النهاية السودان يحتاج إلى فعل لا إلى كلام، وإلى إرادة سياسية حقيقية وليس إلى تعاطف موسمي يختفي مع أول أزمة جديدة تظهر على الشاشات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.