علي عثمان طه.. عودة الرجل الغامض إلى قلب العاصفة السودانية

تقرير: عين الحقيقة

تجدّد اسم علي عثمان محمد طه في واجهة المشهد السوداني مع اشتعال الحرب منذ أبريل 2023، في ظل اتهامات متصاعدة تربط بين قيادات الحركة الإسلامية ومحاولات إعادة ترتيب صفوف التيار المعروف شعبياً بـ”الكيزان” للعودة إلى السلطة بعد سقوط نظام عمر البشير. وبين نفي الرجل المتكرر لأي دور مباشر في الأحداث الراهنة، وإصرار خصومه على اعتباره أحد مهندسي النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات الدولة، يبقى اسمه حاضراً في كل منعطف حاسم من تاريخ السودان الحديث.
وُلد طه في الخرطوم في أربعينيات القرن الماضي، وتخرّج في كلية القانون بجامعة الخرطوم، قبل أن يعمل في السلك القضائي وينخرط مبكراً في صفوف الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي. صعد سريعاً إلى موقع الرجل الثاني في التنظيم، وتولى أدواراً سياسية بارزة خلال ثمانينيات القرن الماضي نائباً برلمانياً وزعيماً للمعارضة في الجمعية التأسيسية. وبعد انقلاب 1989، تقلّد أول مناصبه التنفيذية عام 1993، ثم واصل صعوده داخل هرم السلطة حتى شغل منصب نائب رئيس الجمهورية بين عامي 1998 و2013، في واحدة من أطول فترات البقاء في قمة الحكم خلال عهد “الإنقاذ”.
أكثر الملفات إثارة للجدل في سيرته يبقى ما أثير حول محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995. فقد وردت اتهامات من قيادات إسلامية سابقة بشأن دوره في تمويل العملية والتخطيط لها، وهي روايات نُسب بعضها إلى شخصيات مقربة من دوائر القرار آنذاك، بينما ظل طه ينفي رسمياً أي مسؤولية مباشرة. كما أثيرت ادعاءات بشأن تصفية عناصر يُعتقد بضلوعها في المحاولة داخل الخرطوم، وهي اتهامات لم تُحسم قضائياً وظلت ضمن السجال السياسي والإعلامي المحيط بتلك المرحلة المضطربة.
وفي ما يتعلق بانقلاب يونيو 1989، وجّهت النيابة العامة السودانية بعد ثورة ديسمبر اتهامات لطه بالتدبير والمشاركة في التخطيط، غير أنه نفى خلال جلسات محاكمته عام 2020 أي صلة مباشرة، مؤكداً وجوده خارج البلاد ساعة التنفيذ. ومع ذلك، لم يُخفِ اعتزازه بتوليه مناصب عليا في عهد الحكومة التي أعقبت الانقلاب. كما كان أحد موقّعي “مذكرة العشرة” التي فجّرت الخلاف الشهير بين الترابي والبشير عام 1999، في محطة كشفت عن دوره المحوري في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة الإسلامية والدولة.
ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، عادت الاتهامات لتطارد قيادات الإسلاميين بشأن السعي إلى استثمار الصراع لإعادة إنتاج نفوذهم السياسي والعسكري. وتُستحضر في هذا السياق تصريحات سابقة لطه عن ما عُرف بـ”كتائب الظل”، التي تشير تقارير إلى ارتباطها بتشكيلات مسلحة مثل “البراء بن مالك”، وسط اتهامات بأنها أُنشئت بدعم من قيادات في الحركة الإسلامية لتعزيز حضورها في المشهد الأمني. وفي ظل تعقّد الصراع وتداخل الأجندات، يظل اسم علي عثمان طه أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل، بوصفه لاعباً مخضرماً يجيد التحرك في المساحات الرمادية بين السياسة والسلطة والتنظيم، في وقت يبحث فيه السودان عن مخرج من أزمته الأكثر دموية منذ عقود.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.