جهود السلام في السودان.. مسارات متعددة وعقبات متجذّرة

تقرير : عين الحقيقة

منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، تتواصل جهود دولية وإقليمية متشعبة لوقف النزيف، لكنها تصطدم في كل مرة بعقبات بنيوية تجعل السلام حلماً بعيد المنال ، وبينما تتقدم الولايات المتحدة بخطة خمسية تدعمها مبادرة “الرباعية” الإقليمية، يظل التنفيذ رهيناً بإرادات تبدو مشلولة، وحسابات تضع بقاء الأطراف المسلحة فوق معاناة ما يزيد على اثني عشر مليون نازح ومهجّر.

لا يمكن فهم جمود مسارات السلام دون استيعاب الدور المحوري الذي تؤديه الحركة الإسلامية وبقايا نظام البشير في تعقيد المشهد..

مسارات الوساطة.. تعدد الجهود وتشتت الأثر
لم تنجح الجهود الدبلوماسية في إنتاج مسار موحد، بل تشكّلت على مدار العامين الماضيين مسارات متوازية ومتنافسة في بعض الأحيان ، فمنبر جدة، الذي رعته السعودية والولايات المتحدة في مايو 2023، كان المسار الأبرز والأكثر جدية، وأسفر عن إعلان الالتزام بحماية المدنيين واتفاقيات هدنة لم تصمد أكثر من أيام ، وقد تعثّرت المفاوضات تعثراً كاملاً بحلول مطلع عام 2024، إذ رفض الجيش العودة إلى الطاولة .
وعلى مستوى أفريقي، تبنّى الاتحاد الأفريقي آلية رباعية لحل الأزمة، لكنها ظلت أسيرة الخلافات الداخلية بين الدول الأعضاء،  كما أطلقت إثيوبيا مساعي وساطة ثنائية ظلت دون مستوى التأثير المطلوب. أما منظمة “إيغاد”، فقد دخلت الملف متأخرة وسط تحفظات سودانية على دور بعض أعضائها.
وفي السياق ذاته، تُجري الإمارات اتصالات مكثفة على أكثر من مسار، و تدفع بثقلها الدبلوماسي نحو هدنة إنسانية فورية في السودان، وتُسهم في دعم وصول المساعدات للمناطق المنكوبة، مُشترطةً أن تقوم أي عملية سياسية على استبعاد الحركة الإسلامية وواجهاتها عن مسار الانتقال، ضماناً لسلام حقيقي لا يُعيد إنتاج الاستبداد. وعلى الجانب الآخر، تحتفظ مصر بعلاقات وثيقة مع قيادة الجيش وتقدم دعماً عسكرياً واضحاً له، مما يُقيّد دورها الوساطي ويجعلها طرفاً ذا ثقل انحيازي في الأزمة لا وسيطاً محايداً.
الخطة الأمريكية.. طموح واقعي أمام جدران صلبة
تمثل الخطة الأمريكية الخمسية، التي يقودها مسعد بولس، التحركَ الأكثر تنظيماً وشمولاً حتى الآن، إذ تجمع بين الأبعاد الإنسانية والأمنية والسياسية في رؤية متكاملة. والمهم في هذه الخطة أنها تضع صراحةً شرط إبعاد الجماعات المتطرفة المرتبطة بالنظام السابق عن أي مسار انتقالي، في إشارة مباشرة إلى دور الإسلاميين وبقايا حزب المؤتمر الوطني. ويصرّ الجيش على معادلة “الحسم العسكري” ويرفض أي تفاوض يمنح الدعم السريع اعترافاً أو شرعية. وفي هذا المناخ، تغدو الضمانات الدولية التي تدعو إليها الخطة أثقل وزناً مما يمكن للرباعية توفيره فعلياً في غياب آليات إلزامية وذات أسنان.
الإسلاميون.. رهان الفوضى وأجندة الإعاقة
لا يمكن فهم جمود مسارات السلام دون استيعاب الدور المحوري الذي تؤديه الحركة الإسلامية وبقايا نظام البشير في تعقيد المشهد. فهذه القوى، التي كانت تدار منها أجهزة الدولة العميقة طوال ثلاثة عقود، وجدت في الفوضى بيئةً مناسبة للعودة والتمكين من جديد ،وقد عاد كثير من كوادرها إلى مؤسسات الدولة والخدمة المدنية بعد أن أتاحت الحرب فراغاً مؤسسياً ملأوه بحنكة المحترفين في اختراق الأجهزة البيروقراطية، وهو ما يجعل أي اتفاق سلام يُوقَّع في الخارج مهدداً بالتفريغ من الداخل. علاوة على ذلك، يُشير مراقبون إلى أن شبكة الإسلاميين تضخ خطاباً شعبوياً قومياً ديني الطابع يُصوّر أي تسوية تفاوضية خيانةً وطنية، مما يُضيّق الهامش السياسي أمام قيادة الجيش حتى حين تميل إلى الانفتاح. وهكذا تُعيد هذه الشبكة توظيف خطاب السيادة والكرامة الوطنية أداةً لإدامة الحرب بدلاً من إنهائها.
الجيش السوداني.. ورقة الحرب بدلاً من ورقة السلام
في المقابل، تُشكّل قيادة الجيش السوداني وتمسكها بخيار التعبئة والاستنفار العسكري عقبةً جوهرية أمام أي مسار تفاوضي. فقيادة الجيش لا ترى في الاتفاقيات الدولية سوى قيود تحدّ من حريتها في الحركة، ومنذ انهيار منبر جدة لم تُبدِ استعداداً حقيقياً للانخراط في مفاوضات جوهرية. وتغذّي هذه القيادة في الوقت ذاته خطاباً يرفع من سقف الحرب إلى مستوى “الحسم الوجودي”، مما يجعل أي تنازل تفاوضي مكلفاً سياسياً في الداخل.
والمفارقة أن الجيش يُعلن رفضه لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلي، لكنه يقبل في الوقت نفسه الدعم العسكري من مصر ويتعاون مع قوى إقليمية تقاطعت مصالحها مع استمرار الحرب ،وهذه الازدواجية تجعل حديثه عن السيادة انتقائياً في جوهره، وتكشف أن الرافض الحقيقي ليس الوساطة بوصفها آلية، بل أي تسوية تُفضي إلى تغيير موازين القوى الداخلية.
وبينما تتواصل المعارك وتتراكم الضحايا، يدفع السودانيون وحدهم فاتورة هذا التعنت المزدوج. فبين إسلاميين يراهنون على الفوضى لإعادة الإمساك بمفاصل الدولة، وجيش يُفضّل الحرب الطويلة على تسوية تُقيّد نفوذه، ومليشياته من الحركة الإسلامية التي ترتكب الفظائع، تغدو الخطة الأمريكية وإن اتسمت بالشمولية والواقعية أمام اختبارها الأصعب: كيف تُجبر من يريد الحرب على قبول السلام؟ وهو سؤال لم تجد له الدبلوماسية الدولية جواباً عملياً حتى اليوم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.