في الحروب الحديثة، لم تعد المدافع وحدها هي التي تحسم المصائر؛ بل إن “الرواية” هي التي تحدد من هو المنتصر ومن هو المنهزم في وجدان الشعوب وأروقة المجتمع الدولي اليوم، وبينما تدور رحى المعارك في الميادين، تدور معركة أخرى لا تقل ضراوة في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، وهي معركة “الصورة والشرعية”.
فخ “مدن الأشباح”: كيف يُهزم الصمت؟
لقد نجح الطرف الآخر، عبر آلة إعلامية وعلاقات عامة منظمة، في تصدير صورة ذهنية للعالم وللشعب السوداني مفادها أن المدن التي تقع تحت سيطرة “قوات التأسيس” — كالفاشر ونيالا والضعين والجنينة …الخ — ما هي إلا “مدن أشباح” تسكنها الكائنات الخرافية، أو بؤر للمعاناة غير الصالحة للعيش الآدمي.
هذه الدعاية لم تنجح لقوتها الذاتية فحسب، بل لأنها وجدت “فراغاً إعلامياً” قاتلاً ففي الوقت الذي تتحرك فيه الحياة في هذه المدن، وتفتح الأسواق أبوابها، وتحاول الإدارات المدنية بسط النظام، يظل هذا الواقع حبيس الجدران بسبب سياسات التعتيم والمنع التي تفرضها بعض الجهات الأمنية والعسكرية.
أزمة الثقة: الإعلام الرسمي لا يكفي
إن الاعتماد بنسبة 90% على الإعلام المؤسسي التابع للدعم السريع، مع تهميش أو تخوين الإعلام الحر والناشطين المستقلين، هو “انتحار استراتيجي”. الإعلام الرسمي — مهما بلغت جودته — يظل في نظر المشاهد المحلي والدولي “إعلاماً موظفاً”، بينما يمتلك الناشط المستقل والمواطن الصحفي قدرة هائلة على الإقناع لأن صوته ينبع من الشارع لا من المكاتب القيادية.
إن ربط وجود “مسيّرة” أو استهداف جوي بوجود مصور في المكان هو تفكير أمني كلاسيكي لم يعد يواكب العصر، بل إنه يطرد الكفاءات الإعلامية ويترك الساحة خالية لـ “إعلام العدو” ليرسم الصورة التي يشاء دون رادع أو تكذيب ميداني.
مأسسة الإعلام كضرورة عسكرية وسياسية
لقد حان الوقت للانتقال من “رد الفعل” إلى “المبادرة” والحل لا يكمن في الفوضى، بل في التقنين الذكي. إننا بحاجة فورية إلى:
جسم نقابي أو هيئة إعلامية (وزارة إعلام ): تتولى حصر وتسجيل كافة الإعلاميين وصناع المحتوى في مناطق السيطرة، ومنحهم بطاقات اعتماد وتصاريح تحرك رسمية.
حماية الكاميرا كحماية البندقية: يجب أن يعلم كل جندي وضابط أن الإعلامي المعتمد هو “رديف” له في المعركة، وأن حمايته وتسهيل مهمته واجب وطني، لا تهمة تستوجب الاعتقال.
صناعة “إعلام الحياة”: بدلاً من التركيز فقط على البيانات العسكرية، يجب توجيه الإعلام لنقل تفاصيل الحياة اليومية، عمل المستشفيات، حركة التجارة، والتعايش السلمي، لكسر رواية “مدن الأشباح”.
إن سلاح الإعلام اليوم أقوى من عشرات الآلاف من المتحركات العسكرية فالأرض التي لا يحميها “إعلام ذكي” تظل أرضاً هشة في نظر العالم لقد بلغتُ اللهم فاشهد، فالمعركة القادمة هي معركة “الوعي” ومن يملك الصورة.. يملك المستقبل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.