ليست الحروب دائمًا بنت لحظتها، ولا تُدار فقط بما يظهر في بيانات الجيوش وتصريحات القادة. في السودان، تتداخل الجغرافيا بالسياسة، ويتحوّل النيل من مجرى ماءٍ إلى خيطٍ خفيٍّ يشدّ القرار الإقليمي نحو مصالح لا تُقال صراحة. ومن يقرأ المشهد بتمعّن، يدرك أن دعم القاهرة للجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع لا يمكن فصله عن حسابات المياه، ولا عن هواجس السلطة والسيطرة على مستقبل الدولة السودانية.
مصر، بحكم التاريخ والجوار، ليست مراقبًا محايدًا لما يجري جنوب حدودها. لكنها – في تقديري – لن تنخرط بنوايا حسنة كاملة في جهود وقف وإنهاء الحرب الأهلية في السودان، ما لم تضمن مرادها في ملف حصة ثابتة من مياه نهر النيل، حتى وإن جاء ذلك على حساب نصيب السودان المشروع. فاستقرار السودان، وعودته إلى استثمار موارده الزراعية ومياهه بكامل حصته، يُنظر إليه في دوائر القرار بالقاهرة بوصفه معادلة جديدة قد تُربك التوازن التقليدي في إدارة ملف المياه.
وليس أدلّ على ذلك من الرسالة الرمزية التي حملها استقبال وزير الري المصري لكامل إدريس في مطار القاهرة الدولي، حيث تصدّر ملف سد النهضة المشهد، بينما غابت – أو كادت – الإشارة إلى الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودانيون، سواء داخل بلادهم أو في أحياء القاهرة نفسها. ملايين النازحين واللاجئين، قصص المعاناة اليومية، أوضاع الإقامة والملاحقات… كلها لم تحظَ بذات الحضور الذي حظي به ملف المياه.
إن القاهرة ترى في بقاء الجيش ممسكًا بزمام السلطة ضمانة لاستمرار التنسيق الاستراتيجي في قضايا النيل. فجيشٌ حليف، منهك بالحرب، سيكون أكثر احتياجًا للدعم السياسي والإقليمي، وبالتالي أكثر قابلية لمواءمة مواقفه مع الرؤية المصرية في إدارة النزاع حول سد النهضة وتقاسم المياه. أما سودانٌ مستقر، متحرر من ضغوط الحرب، يتجه لإعادة إعمار مشاريعه الزراعية الكبرى واستغلال كامل حصته المائية، فذلك – في نظر صانع القرار المصري – قد يفتح بابًا لمعادلات تفاوضية جديدة غير مضمونة النتائج.
لا أقول إن مصر تُشعل الحرب، لكنني أقول إن أولوياتها ليست بالضرورة متطابقة مع أولويات السودانيين. فبينما ينشغل المواطن السوداني بوقف نزيف الدم واستعادة الدولة من الانهيار، تنشغل القاهرة بتأمين حصتها التاريخية من المياه، حتى لو تطلّب الأمر إرجاء الحديث عن السلام إلى حين اتضاح مآلات السلطة في الخرطوم.
الدعم المصري للجيش، سياسيًا ولوجستيًا، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق. فالحرب في السودان ليست مجرد صراع بين جنرالين؛ إنها ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية كبرى، في مقدمتها أمن المياه المصري. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تُقدَّم جهود السلام بقدر ما تخدم إنهاء المأساة السودانية، أم بقدر ما تضمن تثبيت معادلة النيل كما تريدها القاهرة؟
السودان اليوم لا يحتاج إلى اصطفافات تُطيل أمد الصراع، بل إلى إرادة إقليمية صادقة تضع حياة السودانيين فوق حسابات المياه والنفوذ. فالنيل الذي يجمع الشعبين، لا ينبغي أن يتحول إلى سببٍ غير معلن لإدامة حربٍ تلتهم ما تبقى من وطن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.