واشنطن وخطوط النار… هل يُغلق الباب أمام الإسلاميين في السودان؟

نورا عثمان

في اللحظات التي يختلط فيها الدخان بالسياسة، لا تبدو مقترحات الهدنة مجرد استراحة محارب، بل اختبارًا للنوايا. في السودان، حيث تتنازع البنادق على ما تبقى من الدولة، يطفو سؤال جديد على سطح المشهد: هل تتجه الولايات المتحدة إلى موقف أكثر صرامة تجاه التيارات الإسلامية المتهمة بمحاولة إعادة التموضع داخل مؤسسات السلطة عبر بوابة الحرب؟
منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ظل الموقف الأمريكي متأرجحًا بين الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وفرض عقوبات على معرقلي السلام. غير أن ما يتداول في الأروقة السياسية يشير إلى احتمال بلورة سياسة أكثر وضوحًا تجاه الإسلاميين، خاصة إذا ثبت أنهم يعملون على إفشال أي مقترح هدنة يُضعف فرص عودتهم إلى المشهد السياسي.
الإدارة الأمريكية، التي خبرت تعقيدات العلاقة مع حركات الإسلام السياسي في المنطقة منذ أحداث ما بعد 2011، تدرك أن أي تسوية لا تفصل بين العمل السياسي والعمل العسكري ستبقى هشّة. لذلك، فإن رفض مقترح هدنة لا تتضمن ضمانات حقيقية لإبعاد الفاعلين الأيديولوجيين المتشددين عن مفاصل الدولة قد يكون أحد السيناريوهات المطروحة.
السودان بالنسبة لواشنطن ليس مجرد ساحة نزاع داخلي؛ إنه جزء من توازنات البحر الأحمر، ومن ملف مكافحة الإرهاب، ومن صراع النفوذ الدولي في القرن الأفريقي. وأي عودة منظمة لتيارات محسوبة على الإسلام السياسي إلى دوائر القرار، عبر تحالفات عسكرية أو هندسة ظلٍّ للسلطة، قد تُقرأ في واشنطن باعتبارها انتكاسة لمسار التحول المدني الذي دعمتْه بعد سقوط نظام عمر البشير.
لكن المشهد أكثر تعقيدًا من ثنائية الرفض والقبول. فمقترح الهدنة، إن لم يُصغ بعناية، قد يتحول إلى مساحة لإعادة ترتيب الصفوف بدلًا من إنهاء الحرب. هنا تتقاطع الحسابات الأمريكية مع مخاوف قطاعات واسعة من السودانيين الذين يرون أن أي وقفٍ مؤقتٍ للنار يجب أن يكون بوابة لعملية سياسية شاملة، لا جسرًا لعودة قوى يحمّلونها مسؤولية عقود من الاستبداد.
إن ما يُنتظر من واشنطن ليس مجرد بيان إدانة أو حزمة عقوبات جديدة، بل رؤية متكاملة تُميّز بين ضرورة إنهاء القتال فورًا، وبين ضمان ألا يُعاد إنتاج الأزمة بوجوه مختلفة. فالتاريخ السوداني القريب يثبت أن التسويات السطحية لا تصمد طويلًا، وأن أي تجاهل لجذور الصراع – بما فيها دور التيارات الأيديولوجية في عسكرة السياسة – سيؤدي إلى دورة عنف جديدة.
السؤال الآن: هل تمضي الولايات المتحدة نحو موقف أكثر حسمًا يضع خطوطًا حمراء أمام عودة الإسلاميين إلى السلطة، حتى لو تطلب ذلك تعطيل هدنة ناقصة الشروط؟ أم أنها ستُغلّب أولوية وقف النار، مهما كانت مآلاته السياسية؟
في كل الأحوال، يبقى الرهان الحقيقي على إرادة السودانيين أنفسهم. فالقرارات الدولية قد تضغط وتوجّه، لكنها لا تبني دولة. الدولة تُبنى حين تتقدّم مصلحة الإنسان على حسابات التنظيم، وحين يصبح السلام خيارًا استراتيجيًا لا مناورة تكتيكية. والسودان، المنهك من حربه، يستحق أكثر من هدنة… يستحق بداية جديدة لا تُدار من خلف الستار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.