في مرمى الاتهامات مجدداً : الإسلاميون.. فساد ممنهج وتمكين سياسي قاد الدولة إلى الانقسام والحرب
تقرير : عين الحقيقة
تتصاعد في السودان مجدداً اتهامات واسعة للإسلاميين بشأن ما يوصف بالتمكين المنهجي الذي طال مؤسسات الدولة على مدى عقود، وسط جدل متجدد حول مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية عن تفكيك بنية الحكم وإضعاف مؤسسات الخدمة المدنية والعسكرية، وصولاً إلى الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالبلاد اليوم.
ويعيد ناشطون وسياسيون فتح ملفات الحقبة التي أعقبت انقلاب عام 1989 بقيادة الرئيس الأسبق عمر البشير، والمدعوم من حسن الترابي عبر الجبهة الإسلامية القومية، معتبرين أن تلك المرحلة مثلت نقطة التحول الأخطر في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، حيث جرى بحسب منتقدين إخضاع مؤسسات الدولة لمنطق الولاء التنظيمي بدلاً عن المهنية والكفاءة.
ويقول الناشط السوداني خالد عجوبة إن الأزمة لم تكن في الدين ذاته، بل في توظيفه كأداة للسيطرة السياسية. ويشير إلى أن جذور المشروع تعود إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 على يد حسن البنا، باعتباره تنظيماً عابراً للحدود يقوم على مبدأ السمع والطاعة، ويتبنى مفهوم “التمكين” كوسيلة للسيطرة على مفاصل الدولة.
وبحسب عجوبة، فإن تجربة الإسلاميين في السودان تجاوزت العمل الحزبي التقليدي إلى بناء شبكة موازية داخل مؤسسات الدولة، شملت إعادة هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية على أسس فكرية وتنظيمية، مع إقصاء كوادر مهنية واستبدالها بعناصر موالية. ويرى أن ذلك أسس لما وصفه بدولة داخل الدولة» ولاءاتها ودوائر قرارها الخاصة.
وفي السياق ذاته، اعتبر القيادي بتحالف “صمود” خالد سلك أن ما يسميه “غرف الإسلاميين الإعلامية” تسعى إلى تصوير الانتقادات الموجهة إليهم باعتبارها استهدافاً للدولة، بينما يرى معارضون أن سجل السنوات الماضية يتضمن اتهامات خطيرة تتعلق بتقسيم البلاد، وتأجيج النزاعات المسلحة في أقاليم الجنوب سابقاً ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
ويتهم معارضون الإسلاميين باختراق المؤسسة العسكرية وتسييسها، إضافة إلى دعم مليشيات مسلحة وتغذية الانقسامات القبلية والاجتماعية، وهي اتهامات ظل الإسلاميون ينفونها أو يردون عليها باعتبارها جزءاً من الصراع السياسي.
وتربط أصوات معارضة بين ما تصفه بسياسات التمكين وبين تفشي الفساد الاقتصادي خلال العقود الماضية، مشيرة إلى تحول الاقتصاد إلى شبكة مصالح ضيقة، وتراجع الشفافية والمساءلة، فضلاً عن توسع الشركات ذات الصلة بمراكز النفوذ السياسي. كما يرى منتقدون أن سياسات الخصخصة ومنح الامتيازات جرت في كثير من الأحيان بعيداً عن معايير التنافس العادل.
وفي السياق تتجدد المخاوف من استمرار تأثير شبكات النفوذ القديمة داخل بعض مفاصل الدولة، رغم الإطاحة بالبشير في 2019م حيث يؤكد مراقبون أن تفكيك بنية التمكين لم يكتمل، وأن الصراع السياسي والعسكري الذي اندلع في 15 أبريل 2023م عمق حالة الانقسام وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول دور الإسلاميين في المشهد الراهن.
ويرى محللون أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن تراكمات ثلاثة عقود من الحكم ذي الطابع الأيديولوجي، الذي أضعف مؤسسات الرقابة والمحاسبة، وأدى إلى تسييس الخدمة المدنية وتراجع استقلالية القضاء. ويؤكدون أن أي عملية انتقال سياسي حقيقية تتطلب معالجة جذور الفساد المؤسسي، وإعادة بناء الدولة على أسس مهنية وقانونية واضحة.
وفي المقابل يتمسك أنصار التيار الإسلامي برواية مغايرة، معتبرين أن تحميلهم وحدهم مسؤولية الأزمات يمثل تبسيطاً لمشهد معقد تتداخل فيه عوامل داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية وأمنية.
ومع استمرار الجدل يبقى ملف الإسلاميين في السودان أحد أكثر القضايا حساسية وإثارة للانقسام، في ظل مطالبات متزايدة بكشف الحقائق، وتعزيز الشفافية، وإخضاع كل التجارب السياسية السابقة للمسائلة القانونية والتاريخية، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لأي مسار وطني يسعى إلى استعادة الدولة وإنهاء دوامة الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.