من فكرٍ مُستورَد إلى وطنٍ مُدمَّر: السردية لتنظيم الإخوان (الكيزان) في السودان (١/٣)

عبدالعزيز ابوعاقلة

لم تكن الحركة الإسلامية في السودان نتاج تطور طبيعي داخل المجتمع، ولا استجابة لأسئلة واقعه المركّب، بل جاءت كفكرة جاهزة عابرة للحدود، جرى استيرادها من الخارج ثم إسقاطها قسرًا على بلدٍ هشّ لم يكتمل فيه أصلًا مشروع الدولة الوطنية. جذورها تعود إلى مصر، إلى تنظيم الإخوان المسلمين الذي أسسه حسن البنا كجماعة دعوية ـ سياسية، ثم تحوّل على يد سيد قطب إلى مشروع أيديولوجي صدامي يرى العالم من زاوية واحدة: فسطاط إيمان مقابل جاهلية يجب كسرها. هذه الرؤية، حين نُقلت إلى السودان، لم تُخضع لأي نقد تاريخي أو اجتماعي، بل قُدّمت كحقيقة مطلقة صالحة لكل زمان ومكان.
منذ بداياتها، لم تؤمن هذه الحركة بالديمقراطية بوصفها قيمة أخلاقية أو نظامًا لإدارة التعدد، بل تعاملت معها كأداة مرحلية. المشاركة السياسية كانت تكتيكًا، لا التزامًا. الخطاب في العلن كان عن الحرية والشورى، بينما التنظيم في الداخل يقوم على الطاعة الصارمة، والانضباط الحديدي، وإلغاء الفرد لصالح الجماعة. وكما حذّرت هانا آرنت، فإن أخطر ما في الأيديولوجيا ليس عنفها فقط، بل قدرتها على إعفاء أتباعها من التفكير، وتحويلهم إلى منفذين يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة.
بهذا الوعي دخل الإخوان السودانيون الحياة العامة. لم يروا في الدولة كيانًا محايدًا يخدم الجميع، بل أداة يجب السيطرة عليها وعلي المجتمع . وعندما جاءت لحظة 30 يونيو 1989، لم يكن الانقلاب انحرافًا طارئًا، بل تتويجًا منطقيًا لمسار طويل من الازدواجية. انقلبوا على نظام ديمقراطي منتخب، ثم بدأوا أول فصول الخداع المنهجي: إنكار الانتماء، تضليل الدول الإقليمية والجيش، وتقديم الانقلاب باعتباره “ثورة إنقاذ” بلا هوية حزبية.
لم يكن هذا التنظيم ثابت الاسم، لأن ثبات الاسم يعني ثبات المسؤولية. منذ نشأته الأولى كجبهة إسلامية، ثم تمدده تحت مسميات متعددة، وصولًا إلى المؤتمر الوطني، ظل الجوهر واحدًا: عقل تنظيم مغلق يغيّر جلده ليحمي نفسه، لا ليغيّر سلوكه. تبدّل اللافتات لم يكن تطورًا سياسيًا، بل مناورة محسوبة للهروب من المحاسبة وإعادة إنتاج السلطة بأسماء أقل كلفة. كل مرحلة باسم جديد كانت محاولة لغسل سجل قديم، لا لفتح صفحة جديدة.
تحت اسم الجبهة الإسلامية مارسوا التغلغل والتمكين الصامت. وتحت اسم المؤتمر الوطني حكموا ثلاثين عامًا بلا تفويض أخلاقي ولا عقد اجتماعي وسياسي . وحين سقط الاسم سياسيًا بعد ثورة ديسمبر، لم يسقط التنظيم. انسحب من الواجهة، واحتفظ بالبنية، والمال، والخطاب الديني، والعلاقات العميقة داخل مفاصل الدولة. الاسم كان عبئًا، فجرى التخلص منه، أما الفكرة فلم تُمس ما تلا ذلك لم يكن بناء دولة، بل تفكيكها من الداخل. تحوّلت مؤسسات الحكم إلى هياكل شكلية، أُفرغت من مهنيتها، وأُعيد ملؤها بالولاء التنظيمي. جرى فصل عشرات الآلاف من وظائفهم تحت شعار “الصالح العام”، فصار الصالح خاصًا، والعام ملكًا للتنظيم. لم يعد القانون مرجعية، بل القرار الحزبي. ولم تعد الكفاءة معيارًا، بل القرب من الجماعة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: تنظيم يرفع شعار الدين، لكنه أسس نظامًا يقوم على الإقصاء المطلق ، وإفقار الناس والظلم والاستعلاء علي الناس لا العدالة.
في هذا المناخ، تحوّل الدين من منظومة قيم إلى أداة سلطة. لم يعد الأخلاق ضابطًا للحكم، بل غطاءً له. بيوت الأشباح لم تكن خطأً أمنيًا، بل تعبيرًا صريحًا عن عقل يرى الخصم السياسي عدوًا وجوديًا. التعذيب لم يكن استثناءً، بل سياسة. القمع لم يكن رد فعل، بل منهج. وكما قال ميشيل فوكو، فإن السلطة حين تنفصل عن المحاسبة لا تكتفي بالقمع، بل تعيد تعريف الحقيقة نفسها.
اقتصاديًا، بدأت مرحلة الدولة ـ التمكين ~ الغنيمة. دخلت عائدات النفط، لا لتُترجم إلى تنمية أو بنية تحتية، بل لتغذية شبكة مصالح مغلقة. أُهملت الزراعة، ودُمّر مشروع الجزيرة، والتعليم وباعوا كل مؤسسات الدولة لصالحهم وتُرك الريف للفقر والهجرة، بينما راكمت قيادات التنظيم ثروات هائلة بلا مساءلة. كان السودان يمتلك فرصة تاريخية للنهوض، لكن الأنانية التنظيمية بدّدت كل شيء. وكما قال روسو، حين تتحول السلطة إلى ملك خاص، تُقتل الإرادة العامة، وتصبح الدولة عبئًا على شعبها.
بهذا الشكل، لم تفشل الحركة الإسلامية في إدارة الدولة فحسب، بل نجحت في شيء واحد فقط: تحويل السودان من مشروع وطن إلى ساحة سيطرة. لم يكن ذلك نتيجة سوء تقدير، بل نتيجة رؤية ترى أن بقاء التنظيم أهم من بقاء الدولة، وأن امتلاك السلطة أسمى من خدمة المجتمع. ومن هنا، يصبح ما جرى لاحقًا ليس مفاجأة، بل نتيجة حتمية لمسار بدأ بالكذب، واستمر بالتمكين، وانتهى بإفراغ الدولة من معناها . ( نواصل ) .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.