في الشرق الأوسط، لا تسقط قوة إقليمية بمعزل عن ارتداداتها في الأطراف. فشبكات النفوذ التي تُدار من العواصم الكبرى تمتد كجذورٍ تحت تربةٍ سياسية هشّة، تربط بين السلاح والعقيدة، وبين المال والولاء. ومن هنا يبرز السؤال: إذا تراجعت القوة الإيرانية أو تعرّضت لضربات قاصمة، هل ينعكس ذلك على أدوار الإسلاميين، وعلى رأسهم تنظيم الإخوان المسلمين في السودان؟
إيران، بوصفها لاعبًا إقليميًا مؤثرًا، نسجت عبر السنوات علاقات متشعبة مع فاعلين غير دولتيين في أكثر من ساحة، من لبنان إلى سوريا واليمن. ورغم التباينات العقائدية بين طهران وبعض تيارات الإسلام السياسي السني، فإن البراغماتية السياسية جمعتهم أحيانًا في تقاطعات مصالح ظرفية، خاصة حين يتعلق الأمر بمواجهة خصوم مشتركين أو بتقويض توازنات إقليمية قائمة.
في السودان، ظل المشهد أكثر تعقيدًا. فالإسلاميون الذين حكموا البلاد لثلاثة عقود في عهد عمر البشير نسجوا علاقات متقلبة مع طهران، تراوحت بين التقارب العسكري والقطيعة السياسية تبعًا للظروف الإقليمية. ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، عادت الأسئلة حول طبيعة التموضع الخارجي للقوى الإسلامية، وحجم الدعم الذي يمكن أن تتلقاه من شبكات إقليمية.
من الناحية النظرية، فإن إضعاف القوة الإيرانية – سواء عبر عقوبات مشددة، أو ضربات عسكرية، أو تراجع نفوذها الإقليمي – قد يحدّ من قدرتها على تمويل أو دعم حلفاء أو متقاطعين معها في الساحات المختلفة. وهذا قد ينعكس بشكل غير مباشر على التيارات الإسلامية في السودان إذا كانت تعتمد، ولو جزئيًا، على مظلات إقليمية مشابهة.
لكن الواقع أكثر تشابكًا من معادلة خطية. فالإخوان في السودان ليسوا مجرد امتداد لسياسة خارجية، بل هم بنية تنظيمية محلية متجذرة في مفاصل اجتماعية واقتصادية وإدارية. قوتهم لا تقوم فقط على دعم خارجي، بل على شبكات داخلية تراكمت عبر عقود من “التمكين”. وبالتالي، فإن تقليص نفوذ طهران لا يعني تلقائيًا انهيار حضورهم، لكنه قد يُضعف قدرتهم على المناورة في الإقليم.
ثمة بُعد آخر لا يقل أهمية: أن تدمير القوة الإيرانية قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة بطريقة تدفع فاعلين آخرين إلى ملء الفراغ. وحين تتبدل خرائط النفوذ، لا تختفي التنظيمات الأيديولوجية بسهولة، بل تعيد التموضع، وتبحث عن رعاة جدد أو تحالفات بديلة. وهنا يصبح السؤال الأعمق: هل المشكلة في الدعم الخارجي فحسب، أم في البيئة السياسية التي تسمح بعودة التنظيمات إلى المشهد كلما ضعفت الدولة؟
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق. تقليص أي دعم خارجي قد يحدّ من قدرات بعض القوى، لكنه لا يُغني عن إصلاح داخلي جذري يعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الجيش والدولة، وبين السلطة والمجتمع. فالأوطان لا تُبنى على انتظار سقوط عاصمة بعيدة، بل على تفكيك بنى الهيمنة من الداخل.
قد يُضعف انكسار طهران بعض الأذرع الإقليمية، وقد يقلّص هوامش الحركة أمام الإسلاميين، لكن الحسم الحقيقي يظل رهينًا بإرادة سودانية قادرة على إنتاج دولة مدنية قوية، لا تسمح لأي تنظيم – مهما كان داعموه – بأن يختطف مستقبلها مرة أخرى.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.