الزمن المسروق.. كيف عطل الكيزان نهضة الأمة السودانية لما يزيد عن ثلاثون عاما؟ الكيزان.. مشروع لا يحيا إلا بالقتل والدماء
أحمد عثمان محمد المبارك
لا يمكن قياس الجرم الذي ارتكبه تنظيم الكيزان في حق الشعب السوداني بلغة الأرقام وحدها؛ فالأرقام، على ضخامتها، تعجز عن إحصاء الخيبات وتوصيف الحسرة التي سكنت قلوب الملايين. إن ما حدث للسودان طوال ثلاثين عاماً ونيف لم يكن مجرد فشل سياسي أو فساد مالي عابر، بل كان عملية احتلال داخلي ممنهجة، استهدفت تجريف موارد البلاد المادية واغتيال عقولها المفكرة، لتحويل وطنٍ كان يوماً مرشحاً لقيادة القارة إلى بلدٍ يترنح في ذيل القوائم العالمية.
اغتيال العقول.. الرصاصة التي أصابت مستقبلنا
بدأ الخراب الحقيقي حين أدرك نظام الكيزان أن العقل الحر هو العدو الأول لمشروعهم الضيق. لذا لم يكتفِوا بمصادرة الحريات، بل ذهبوا نحو الاغتيال الوجداني والجسدي لرموز المجتمع. لقد فقد السودان برحيل القائد جون قرنق فرصة تاريخية لوأد الفتنة وبناء سودان المواطنة، واغتيل المفكر محمود محمد طه لإسكات صوت التجديد، وضاعت عبقرية عبد الخالق محجوب وغيرهم من الساسة والأدباء والفنانين الذين ماتوا بالحسرة وهم يشاهدون وطنهم يتمزق إرباً إربا..ومن بين هؤلاء البروفيسور محمد إبراهيم خليل، أحد أعظم المشرعين والقانونيين السودانيين، الذي ضُيق عليه حتى هاجر.
والدكتور منصور خالد مفكر ودبلوماسي من الطراز الرفيع، قضى جلَّ عهد النظام في المنفى الاختياري محارباً بفكره وقلمه.
الروائي العالمي الطيب صالح الذي مُنعت كتبه صاحب السؤال الشهير (من أين أتى هؤلاء؟)، ومات غريباً عن وطنه الذي خلد ذكراه في الأدب العالمي.
والشاعر محمد الفيتوري الذي سحبت منه الجنسية السودانية وعاش ومات في المنفى. من الشعراء الشاعر محجوب شريف، ومحمد طه القدال الذين تعرضوا للملاحقات والاعتقالات المتكررة التي أنهكت أجسادهم. والدكتور فاروق كدودة الخبير الاقتصادي الذي تعرض للاختطاف والتعذيب مما أثر على صحته حتى وفاته.
ولم يتوقف الأمر عند الموت الطبيعي أو الإعدام، بل امتد ليشمل النفـي القسري للأدمغة. فباسم الصالح العام، شُرد آلاف الأطباء والمهندسين والعلماء، ليجد السوداني نفسه غريباً في وطنه، بينما تبني عقول أبنائه نهضة دول أخرى، تاركين خلفهم فراغاً إدارياً ومعرفياً شغله أهل الثقة من فاقدي الكفاءة والضمير.
التمكين كأداة لهدم الدولة:
تحت شعار التمكين، تم تفكيك الدولة لصالح التنظيم. فتحولت الوزارات والمؤسسات السيادية إلى إقطاعيات خاصة، حيث لم يعد المعيار هو الكفاءة بل الولاء الحزبي.مما أدى إلى تدمير التعليم فحول الجامعات إلى ثكنات ومنصات للتجييش الأيديولوجي، وفُقدت جودة المنهج، وصار الكم يطغى على الكيف، مما أخرج أجيالاً تعاني من ضياع الهوية والتحصيل المعرفي.وخُصخصت المشافي وجُففت المستشفيات الحكومية العريقة لصالح استثمارات قادة النظام، ليتحول المرض إلى تجارة رابحة للشرذمة الحاكمة، وموت محقق للفقراء.
كيف سرقت سلة غذاء العالم؟
من المفارقات المؤلمة أن بلداً يملك 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، ونهر النيل، ومياه جوفية، وثروة حيوانية هائلة، ينتهي به المطاف عاجزاً عن توفير رغيف الخبز لأهله. لقد بدد الكيزان كل شيء بشكل ممنهج، بيعت أصول السكة حديد، ودمّر مشروع الجزيرة الذي كان عماد الاقتصاد، ونهبت عائدات النفط والذهب لتصب في جيوب المنتفعين أو لتمويل حروب العبث ضد أبناء الوطن الواحد. وكانت النتيجة الحتمية لسياساتهم العنصرية والجهوية هي انفصال الجنوب، وضياع ثلث المساحة، واشتعال الحرائق في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
ضياع الزمن:
إن الجريمة الكبرى التي ارتكبها هؤلاء، الذين لا وطن ولا اصل لهم، هي سرقة زمن المواطن السوداني. فبينما كانت دول العالم تقفز نحو التحول الرقمي والنهضة الصناعية، كان هؤلاء يجرون السودان جراً نحو عصور الظلام والحروب الأهلية والديون الخانقة. فخسر السودان هيبته الدولية، وتماسكه الاجتماعي، ومقدرات أجياله القادمة.
لذلك فإن إعمار السودان الحقيقي ليس مجرد مشروع هندسي لبناء الطرق وتشيد المباني، بل هو مشروع حضاري واسترداد لكرامة الإنسان. فبناء الجسور قد يربط ضفتين، ولكن بناء العقل الحر والمواطنة المسؤولة، هو الكفيل بربط السودان بالمستقبل ومنع تكرار المأساة مرة أخرى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.