المهرجون!!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
وطن ينام بين الاشتعال والانطفاء،
أمعن في وهم التعب،
وناجى كل هلع غمسته الريح في شبه الشعور.
ولقد حذرنا من خطورة الخطاب المتطرف للقيادات الإسلامية الذي يتحدث عن مساندة ودعم إيران في الحرب الدائرة الآن، لما له من أثر بالغ الخطورة على أمن البلاد. ويبدو أن القوات المسلحة تداركت الخطر المترتب على هذه التصريحات، إذ أعلن الفريق البرهان أمس تضامنه مع دول الخليج وأدان انتهاك سيادتها، ووصف مجموعات الإسلاميين بـ “المهرجة”( لن نسمح لأي مجموعة أن تتحدث باسم القوات المسلحة أو باسم الدولة السودانية، فهناك أمور ليست من شأنهم. وأضاف: كل زول عايز يفتح عينه يفتحها، ما عايز يفتحها نحن بنغمدها ليهو. هذه المجموعة سنقف ضدها وضد كل من يساندها أو يقف معها. نحذر تحذيراً واضحاً: أي شخص يتطاول على الدولة السودانية لن نسمح له، وسيمسح كل ما عمله وسيعود إلى مكانه الطبيعي).
وقبل حديث البرهان، تبرأت القوات المسلحة السودانية من كتائب الإسلاميين، وأكدت أن المجموعة التي ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي وهي ترتدي زيًا عسكريًا وتهتف لصالح الحرب في “الخليج” لا تتبع لها، مضيفة في تعميم صحافي أنها ستتخذ إجراءات قانونية ضدها.
لكن بعد البيان، خرجت مجموعة بحضور قائد كتائب البراء واستمرت في خطابها، داعية قائدها إلى عدم التراجع عن مواقفهم ودعم الحرب في إيران، في تبنٍ واضح لمواقف إقليمية لا تتماشى مع مصالح الجيش.
هذا الظهور الثاني للجماعات هو الذي دفع البرهان للتحدث مباشرة واستخدام أسلوب التهديد، إذ أدرك أن البيان لم يكن رادعًا كافيًا لهذه الجماعات المتطرفة، وأن تكرار خطاب الكتائب في أكثر من فيديو شكّل خطرًا واضحًا، وأحرج البرهان أمام حلفائه، خاصة المملكة العربية السعودية ومصر. فالاصطفاف مع إيران يعني أن الإسلاميين تجاوزوا الخط الأحمر، وإعلان دعمهم لها يضع الجيش في خانة “المحور الإيراني” دون أن يختار ذلك، ويهدد الدعم السياسي والمالي الذي يحتاجه الجيش بشدة.
وتصريحات البرهان تكشف أن الخلاف بينه وبين التيار الإسلامي ربما لم يعد مجرد تباين في المواقف، بل قد يتحوّل إلى صدام سياسي مباشر. فوصفه المجموعات الإسلامية بـ “المهرجة”، وتهديده بأن الجيش سيُغمد أعين من “لا يريد أن يفتحها”، يكشف أن الخطر تطلب الدخول في مرحلة التحدي العلني. وتحذيره للكتائب يمثل بداية مرحلة مختلفة تمامًا في علاقة الجيش بالتيار الإسلامي، إذ لم تعد مجرد رسائل سياسية، بل أصبحت لغة مواجهة مباشرة.
وهذه التصريحات لها أبعاد أمنية وسياسية وإقليمية، فالبرهان بهذا التصريح شديد اللهجة أراد أن يرسل رسائل إقليمية بأنه يحكم سيطرته على القرار النهائي. كما أن التحذير يعكس أن العلاقة بين الطرفين وصلت إلى نقطة توتر عالية، سيما أن البرهان لمح إلى أن الإسلاميين مهما كان دورهم في الحرب فهم ليسوا شركاء في تحديد السياسة الخارجية أو العسكرية، بقوله: إنهم مهما عملوا سيعودون إلى مكانهم الطبيعي.
وقد يكون المتلقي ولأول مرة يستمع إلى قائد جيش حقيقي، لكن السؤال: لماذا تحدث البرهان هذه المرة بلسان عسكري فصيح وبثقة أكبر؟!
فنبرة البرهان تشير إلى أنه يشعر بأن لديه ظهرًا إقليميًا يحميه إذا قرر تحجيم الإسلاميين أو كبح نفوذهم، لأن المساس لم يكن بالجيش هذه المرة وإنما بالدول الإقليمية التي لن تتردد في نسف الإسلاميين طالما أن الأمر أصبح يهدد أمنها واستقرار المنطقة. لذلك تحدث البرهان من موقع قوة، وقد يستغل هذه الفرصة لتحجيم الإسلاميين، فهذه اللحظة مناسبة لإعادة ضبط ميزان القوى، سيما أنه ظهر أكثر ثقة واستعدادًا لفرض الانضباط بالقوة إذا لزم الأمر.
والكتائب، رغم حضورها، تبدو الآن أمام اختبار صعب: إما الانضباط، أو مواجهة قد تكون مكلفة.
وفي أول ردة فعل خارجية قالت صفحة لمناصري حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتخابية على فيسبوك أمس إن التصريحات التي أدلى بها مقاتلون تابعون للجيش السوداني بشأن الاستعداد للدفاع عن إيران تسلط الضوء، بحسب وصفها، على انتشار شبكات الإسلاميين المتطرفين المدعومة من طهران. وأضافت أن هذا الإعلان “المتهور” يعكس انتشارًا خطيرًا لهذه الشبكات التي تهدد الاستقرار في مناطق تتجاوز البحر الأحمر، محذرة من أن السودان قد يتحول إلى جبهة أخرى ضمن ما سمته “محور المقاومة المتنامي”، مشيرة إلى أن الدول الهشة قد تصبح منصة لتصدير المقاتلين وإطالة أمد الصراعات.
طيف أخير:
قال تحالف “تأسيس” أمس إن 50 قتيلاً و80 جريحًا من المدنيين سقطوا جراء قصف الجيش على مدينتي المجلد والفولة بغرب كردفان، وإن القصف طال سوق المجلد ومستشفى الوالدين وميدان الحرية وأم الشرطة بغرب كردفان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.