كتيبة البراء الإخوانية.. النشأة والدور العسكري والجدل السياسي في حرب أبريل

تقرير: عين الحقيقة

برز اسم كتيبة البراء بن مالك كواحدة من أبرز التشكيلات القتالية التي ظهرت في ساحة الحرب السودانية منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023. وقد اكتسبت الكتيبة حضورًا عسكريًا وإعلاميًا لافتًا خلال المعارك، ما جعلها محورًا لجدل سياسي وحقوقي واسع، خاصة بسبب خلفيتها المرتبطة بالحركة الإسلامية وطبيعة دورها في العمليات القتالية.

ظهور تشكيلات مسلحة موازية أو مساندة للجيش يعكس طبيعة الحرب الحالية التي لم تعد تقتصر على مواجهة بين قوتين نظاميتين، بل باتت تضم شبكة واسعة من الفاعلين العسكريين والسياسيين.

النشأة والخلفية التنظيمية

تعود جذور كتيبة البراء بن مالك إلى تسعينيات القرن الماضي، حين تشكّلت ضمن البنية التعبوية للحركة الإسلامية في السودان خلال فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير. وارتبطت الكتيبة آنذاك بمنظومة قوات الدفاع الشعبي التي كانت تمثل الذراع التعبوي العسكري للنظام، وشاركت عناصر منها في القتال خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان وبعض الجبهات الداخلية الأخرى.

بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، جرى حل قوات الدفاع الشعبي وعدد من المؤسسات المرتبطة بها، وتراجعت أنشطة الكتيبة العلنية بشكل كبير. إلا أن شبكاتها التنظيمية ظلت موجودة بصورة غير رسمية، وتحول جزء من نشاطها إلى العمل الاجتماعي والدعوي، مع استمرار تواصلها داخل الأوساط المرتبطة بالتيار الإسلامي.

ومع اندلاع الحرب الحالية في السودان، أعادت الكتيبة تنظيم صفوفها، وظهر عناصرها بشكل واضح في المعارك التي خاضها الجيش ضد قوات الدعم السريع في الخرطوم وولايات أخرى. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن آلاف المقاتلين المرتبطين بها شاركوا في القتال ضمن ما يُعرف بالقوات المساندة للجيش.

ويقود الكتيبة حاليًا المصباح أبو زيد طلحة، إلى جانب شخصيات مرتبطة بالتيار الإسلامي مثل أنس عمر وحذيفة استانبول، وهي أسماء ظلت حاضرة في المشهد السياسي والتنظيمي للحركة الإسلامية في السودان. وتعتمد الكتيبة بدرجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر بياناتها العسكرية وتوثيق مشاركتها في العمليات القتالية، إضافة إلى بث رسائل تعبئة وتحشيد لمناصريها.

الدور العسكري خلال الحرب

منذ اندلاع الحرب، شاركت كتيبة البراء بن مالك في عدد من المعارك إلى جانب الجيش السوداني، خاصة في مناطق الخرطوم وأم درمان وبحري. وتُظهر مقاطع مصورة نشرتها الكتيبة مشاركة عناصرها في عمليات اقتحام ومواجهات داخل الأحياء السكنية، إضافة إلى عمليات تمشيط وتأمين لبعض المواقع.

ويرى مراقبون أن الكتيبة لعبت دورًا في دعم القدرات القتالية للجيش، خاصة في المراحل الأولى من الحرب عندما احتاج الجيش إلى تعزيز قواته بعناصر مقاتلة ذات خبرة ميدانية أو قدرة على التعبئة السريعة. كما تشير تقارير إلى أن بعض عناصر الكتيبة شاركوا في تشغيل الطائرات المسيّرة وعمليات الاستطلاع الميداني، وهو ما يعكس تطورًا في طبيعة التشكيلات شبه العسكرية المرتبطة بالحرب الحالية.

التمويل والتسليح

لا توجد معلومات رسمية مفصلة حول مصادر تمويل كتيبة البراء بن مالك. إلا أن تقارير إعلامية تشير إلى أن جزءًا من تسليحها يأتي عبر الجيش السوداني، باعتبارها قوة تقاتل إلى جانبه في المعارك. كما يُعتقد أن الكتيبة تعتمد على شبكات دعم اجتماعية وتنظيمية مرتبطة بالتيار الإسلامي، إضافة إلى تبرعات فردية من متعاطفين داخل السودان وخارجه. ويُلاحظ كذلك نشاط واسع للكتيبة في حملات جمع التبرعات والدعم اللوجستي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي بعض الأحيان، حاولت القيادة العامة للجيش السوداني النأي بنفسها عن بعض التصريحات أو التصرفات التي تصدر عن مجموعات مقاتلة متحالفة معه، في إطار سعيها للحفاظ على صورة الجيش كمؤسسة نظامية.

اتهامات بانتهاكات

تواجه كتيبة البراء بن مالك اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الحرب، من بينها عمليات قتل خارج نطاق القانون والتمثيل بالجثث، إضافة إلى ممارسات وُصفت بأنها انتقامية ضد أشخاص يُشتبه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع. وتشير بعض التقارير إلى تطبيق ما يُعرف محليًا بـ”قانون الوجوه الغريبة”، وهو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى استهداف أشخاص يُشتبه في أنهم لا ينتمون إلى المنطقة أو قد يكونون مرتبطين بالطرف الآخر في النزاع. وقد تداولت وسائل إعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو يُقال إنها توثق بعض هذه الممارسات في مناطق من الخرطوم وأم درمان. غير أن تحقيقات قضائية مستقلة وشاملة بشأن هذه الاتهامات لم تُجرَ حتى الآن، ما يجعل كثيرًا من الروايات المتداولة محل جدل بين أطراف الصراع.

تصريحات سياسية وعلاقات إقليمية

أثارت بعض التصريحات الصادرة عن قيادات مرتبطة بالكتيبة جدلًا واسعًا، خاصة بعد إعلان دعمهم لإيران في أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. كما دعا بعض المؤسسين إلى مساندة طهران والاستعداد للمشاركة في القتال إلى جانبها. وتأتي هذه التصريحات في سياق تطورات إقليمية مرتبطة بالحرب السودانية، إذ تحدثت تقارير دولية عن تقارب متجدد بين السودان وإيران منذ عام 2023، شمل استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد سنوات من القطيعة. كما أشارت مصادر دولية إلى حصول الجيش السوداني على طائرات مسيّرة ومساعدات عسكرية من إيران خلال الحرب، وهو ما اعتبره مراقبون تحولًا مهمًا في خريطة التحالفات الإقليمية المرتبطة بالنزاع السوداني.

انعكاسات محتملة

يثير صعود كتيبة البراء بن مالك وعدد من التشكيلات المقاتلة غير النظامية تساؤلات حول طبيعة المشهد العسكري في السودان ومستقبل المؤسسة العسكرية نفسها. ويرى مراقبون أن تنامي دور هذه المجموعات قد يعكس عودة نفوذ التيار الإسلامي داخل بعض دوائر الجيش، كما قد يطرح تحديات إضافية أمام أي عملية سياسية مستقبلية تسعى لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مدنية. كما أن تداخل الحرب السودانية مع علاقات إقليمية معقدة، خاصة في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، قد يزيد من تعقيد الأزمة ويؤثر على جهود الوساطة الدولية الرامية إلى وقف القتال وتحقيق الاستقرار في السودان.

في ظل استمرار الحرب وتعقّد المشهد العسكري في السودان، يظل الدور الذي تلعبه كتيبة البراء بن مالك جزءًا من التحولات الأوسع التي يشهدها الصراع. فظهور تشكيلات مسلحة موازية أو مساندة للجيش يعكس طبيعة الحرب الحالية التي لم تعد تقتصر على مواجهة بين قوتين نظاميتين، بل باتت تضم شبكة واسعة من الفاعلين العسكريين والسياسيين.

ويرى مراقبون أن مستقبل هذه الكتائب سيظل مرهونًا بمآلات الحرب نفسها؛ فإما أن تُدمج ضمن ترتيبات عسكرية رسمية في حال استعادة الدولة سيطرتها على مؤسساتها الأمنية، أو تتحول إلى أحد عناصر التعقيد في المشهد الأمني والسياسي إذا طال أمد الصراع واستمر تعدد مراكز القوة المسلحة. وفي جميع الأحوال، تبقى مسألة ضبط المليشيات الإخوانية وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة من أبرز التحديات التي ستواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب الحاجة لمعالجة آثار النزاع وإعادة تأسيس الدولة على أسس تضمن الاستقرار السياسي والأمني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.