السودان: من مأزق الدولة إلى أفق السلام… السلام الذي نريد

 

بقلم: شريف محمد عثمان
الامين السياسي لحزب المؤتمر السوداني

بعد أسابيع قليلة تدخل الحرب عامها الرابع، وهذا وحده كافٍ ليؤكد حقيقة مُرة: السودان بلد الحروب الطويلة والمدمرة لإنسانه وأرضه وسيادته. فمنذ الاستقلال عاش السودان سلسلة متصلة من الحروب امتدت لأكثر من 55 عاماً من أصل سبعين عاماً من عمر الدولة الوطنية. هذه الحقيقة تفرض سؤالاً جاداً: لماذا تطول حروبنا؟ ولماذا تعجز أطرافها عن إنهاء خلافاتها بالحوار السياسي؟

الحرب، في جوهرها، هي أقصى درجات الخلاف السياسي. أي إن أصلها خلاف سياسي عجزت الأطراف عن حله عبر التفاوض، فاختارت العنف وسيلة للحسم. لذلك فجذر الأزمة سياسي بامتياز، مهما تعددت مظاهرها العسكرية أو القبلية أو الجهوية.

على مدى سبعين عاماً، جرّب السودانيون العنف كأداة لحسم الخلافات، لكن الحقيقة أن هذا العنف لم يحسمها ولم يحقق شعارات أي من الأطراف المتقاتلة. ما أنتجه هو الفقر والجوع والنزوح واللجوء. ورغم توقيع عدد كبير من الاتفاقات السياسية بين النخب المتحاربة، فإنها غالباً لم تتجاوز قسمة السلطة والثروة بين أطرافها، تاركة ملايين المتضررين يدفعون ثمن الشعارات البراقة.

في هذا المقال نحاول التفكير بصوت مسموع: لماذا تستمر هذه الدوامة؟ ماذا تقول تجارب حروبنا السابقة ومآلاتها؟ لماذا عجزنا عن إيقاف هذه الحرب تحديداً؟ وما نتائج هذا العجز؟ ثم سنرسل رسائل إلى دول الإقليم وجوار السودان، ومن ثم رسالة إلى السودانيين والسودانيات.

في كتاب صدر في فبراير من هذا العام للدكتور أحمد أبوشوك بعنوان السلطة وتنازع الولاء في السودان، يعيد الكاتب نشر وتحليل ست مقالات كتبها الدكتور جعفر محمد علي بخيت في ستينيات القرن الماضي. في تلك المقالات حاول بخيت تفسير العجز الذي لازم الدولة السودانية بعد الاستقلال، مقدّماً إطاراً نظرياً يفسر هذا العجز بعجز النخب السياسية والاجتماعية عن ملء فراغ الدولة الاستعمارية بمشروع وطني جامع.

شبّه بخيت الدولة الاستعمارية بالشمس التي تدور في فلكها الأقمار، وبأفول تلك الشمس تحركت الأقمار – أي البنى الاجتماعية من أحزاب وطوائف وطبقات – في مسارات متوازية ومتصادمة، كلٌّ منشغل بمشروعه وأيديولوجيته، من دون القدرة على صياغة إطار وطني جامع يستوعب فسيفساء السودان. وهنا بدأ الصراع المفتوح.

ومن زاوية أخرى، يناقش الأستاذ التجاني الحاج في كتابه الدولة ما بعد الكولونيالية مأزق الدولة ما بعد الاستعمار. فالسودان – كغيره من الدول الخارجة من الاستعمار – ورث جهازاً بيروقراطياً وأمنياً صُمم للسيطرة والتحكم، لا لتقديم الخدمة العامة؛ جهازاً بُني لحماية السلطة لا لحماية الشعب، ولإدارة المجتمع لا لتمكينه.

بهذا المعنى تلتقي أطروحتا بخيت والتجاني: أزمة مشروع وطني جامع من جهة، ودولة بطبيعة استبدادية موروثة من جهة أخرى. النتيجة كانت دولة تميل إلى المركزية الصلبة، ونخب تتصارع على السلطة داخلها، من دون إعادة تعريف لوظيفتها أو علاقتها بالمجتمع.

ولا يمكن إغفال العوامل الخارجية. فمنذ الحرب الباردة دخل السودان في تجاذبات إقليمية ودولية: دعم غربي لتيارات بعينها في مواجهة المد القومي والماركسي، ونفوذ مصري تاريخي وسعي مستمر للتأثير في مسار القرار السياسي، وصراعات إقليمية جعلت السودان ساحة مفتوحة للتنافس. هذه العوامل لم تصنع أزمتنا من العدم، لكنها عمّقتها واستثمرت في هشاشتها.

بلد غني بالموارد الطبيعية والبشرية، وبتنوع ثقافي هائل، تحوّل في المخيال الدولي إلى مرادف للحرب والمجاعة. وهذا لم يكن قدراً، بل نتيجة تراكمات من العجز الوطني، وسوء إدارة التنوع، وغياب مشروع جامع.

من هنا، لا يمكن قراءة هذه الحرب بمعزل عن تاريخنا الطويل من النزاعات. هي ليست حادثاً منفصلاً، بل امتداد لبنية سياسية مأزومة. هي بنت حروب سابقة، ونتيجة طبيعية لسنوات من الفشل في إعادة تأسيس الدولة على قاعدة مدنية جامعة، مهما حاول دعاة استمرارها تقديمها كمعركة وجود، وإلباسها ثياب الطهرانية السياسية.

ومن عجائب حربنا أن دعاة طهرانيتها يجمّلونها بظواهرها لا بأسبابها، ويقفزون بطفولية مثيرة للشفقة بين هذه الظواهر. فرفض إيقافها في أشهرها الأولى استند إلى أنها حرب سريعة وحاسمة (“أسبوعين أسبوعين”)، وأنها ستخلّص السودانيين من قوة كانت مصدر قلق لهم، وكانت إحدى مطالبهم في مقاومة انقلاب برهان–حميدتي في أكتوبر 2021 إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش لصالح جيش واحد مهني.

وبعد أن مضت الأسابيع وانتهت فرص استمرار هذه الكذبة، انتقلوا إلى ظاهرة أخرى، وهي حجم الانتهاكات التي ارتكبها الدعم السريع، وهي إدانة مستحقة بلا شك. فكانت دعواتهم للتعبئة من أجل استمرار هذا الخراب مستندة إلى هذه الظاهرة. وبعد أن كشف السودانيون زيف هذا الطرح، وأن دعاة هذه الكذبة يذكرون نصف الحقيقة ويتحدثون عن الانتهاكات بشكل انتقائي – إذ يتهربون من إدانة انتهاكات الجيش، بل بلغ بهم الولوغ في الإجرام أن يبحثوا عن مبررات لها – انتقلوا إلى كذبة أخرى: أن هذه الحرب حرب عدوان خارجي تقوده 17 دولة على السودان.

والمعلوم في علم السياسة أن الوصفة المثالية لتدخل الدول في السياسات الداخلية لبلد ما هي الهشاشة الاقتصادية والأمنية والانقسام السياسي والاجتماي. والحقيقة أن كل هذه الأزمات تنطبق على السودان. فإذا صح إطلاق وصف على هذه الحرب، فهي حرب الأكاذيب. فلا يمكن البحث عن مشروعية لاستمرار حرب عبر نقاش ظواهرها؛ فالحروب لا تُقدَّم فيها الورود، بل ظواهرها الموت واللجوء والنزوح والتدخلات الخارجية.

لكن إن كان ثمة وصف يُطلق على دعاة الحرب وداعميها، فهم قوم بلا أخلاق ولا قيم. وإرث إعلامهم في الحرب واضح؛ فقد قال إسحق أحمد فضل الله في حوار على قناة الشروق قبل عدة أعوام إنه يكذب في الحرب، وهو ذات ما قاله عمار السجاد قبل أسابيع في منشور على فيسبوك: “الله يغفر لينا أنا وطارق كجاب، كذبنا كذباً كثيراً في الحرب”. فهذه حرب الأكاذيب ومعدومي الأخلاق والضمير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.