في الثامن من مارس… نساء السودان خارج الاحتفال

نورا عثمان

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بالثامن من مارس، اليوم العالمي للمرأة، بالورود والخطابات والوعود المتجددة حول المساواة والتمكين، تقف المرأة السودانية على هامش هذا الاحتفال العالمي، مثقلة بوجع الحرب، ومحاصرة بواقع قاسٍ لا يشبه شعارات الاحتفاء ولا صوره اللامعة. ففي معسكرات النزوح المنتشرة داخل السودان وخارجه، تبدو حياة النساء وكأنها معركة يومية للبقاء، لا مناسبة للاحتفال.
آلاف النساء وجدن أنفسهن فجأة في خيام مهترئة أو مدارس مكتظة تحولت إلى ملاجئ مؤقتة. هناك، لا تملك المرأة سوى القليل من الخصوصية، والكثير من القلق. القلق على الأطفال، على الطعام، على المستقبل، وعلى ليلة أخرى قد تمر دون إحساس حقيقي بالأمان. في تلك المعسكرات، يصبح الليل ثقيلاً، وتتحول فكرة الحماية إلى حلم بعيد، بينما تتردد في الأذهان قصص الانتهاكات والمخاوف التي تلاحق النساء في أماكن النزوح الهشة.
لم تكن المرأة السودانية غريبة على الصبر أو المقاومة؛ فقد وقفت دائماً في قلب المجتمع، تحمله حين يضعف، وتمنحه الأمل حين يشتد الظلام. لكنها اليوم تواجه امتحاناً قاسياً يتجاوز قدرتها الفردية على الاحتمال. فالحرب لم تسلبها بيتها فحسب، بل انتزعت منها شعور الاستقرار الذي يشكل أساس الحياة اليومية. أصبحت الأم تفكر ألف مرة قبل أن تسمح لطفلها بالابتعاد عنها، وتتعلم الفتاة منذ لحظة النزوح أن الحذر صار جزءاً من تفاصيل يومها.
المفارقة المؤلمة أن العالم يتحدث اليوم عن تمكين المرأة، بينما تقف آلاف السودانيات في طوابير المساعدات الإنسانية بانتظار وجبة أو بطانية أو دواء. تتلاشى الكلمات الكبيرة أمام واقع بسيط لكنه قاسٍ: امرأة تحاول فقط أن تحمي أطفالها وأن تنجو بيوم آخر من الخوف.
ومع ذلك، لا تزال المرأة السودانية تحتفظ بشيء يشبه الضوء في قلب العتمة. ففي المعسكرات نفسها، نجدها تنظم حياة أسرتها، وتساند جاراتها، وتحاول أن تبني شكلاً من التضامن الإنساني وسط الخراب. إنها تحارب بطريقتها الصامتة كي لا يتحول الألم إلى هزيمة كاملة.
في هذا اليوم الذي يحتفل فيه العالم بالمرأة، لا تحتاج السودانيات إلى الخطب بقدر ما يحتجن إلى الأمان، وإلى نهاية للحرب التي سرقت أعمارهن وطمأنينتهن. ويبقى الأمل أن يأتي يوم قريب تستعيد فيه المرأة السودانية حياتها الطبيعية، وتغادر خيام النزوح إلى بيوتٍ آمنة، وتطوي صفحة هذا الألم الثقيل.
وإلى أن يتحقق ذلك، نتمنى لها أن تتجاوز كل ما يؤلمها، وأن تجد في قلبها القوة التي تعيد للحياة معناها من جديد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.