ما حذرت منه الإمارات يتحقق اليوم: خطر الإسلام السياسي على استقرار المنطقة

عمود: عين الحقيقة

في مشهد سياسي وأمني يزداد تعقيداً، جاء القرار الأمريكي الأخير بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان «منظمة إرهابية» ليعيد تسليط الضوء على نفوذ تنظيمات الإسلام السياسي في المنطقة، وليؤكد – في نظر كثير من المراقبين – صواب التحذيرات المبكرة التي أطلقتها دولة الإمارات بشأن مخاطر هذه التنظيمات على استقرار الدول والمجتمعات.

فالموقف الإماراتي من تنظيمات الإسلام السياسي لم يكن ردّ فعل عابراً أو موقفاً ظرفياً، بل يعكس رؤية استراتيجية تقوم على قناعة بأن الدولة الوطنية المدنية تمثل الضامن الحقيقي للاستقرار والتنمية، في حين أن المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود غالباً ما تقود إلى الصراع وعدم الاستقرار.

وقد عبّر الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، عن هذه الرؤية عندما وصف القرار الأمريكي بأنه «استراتيجي وشجاع وتاريخي»، معتبراً أنه يستهدف أحد أبرز مصادر التطرف التي ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة خلال العقود الماضية.

ولا يقتصر الدور الإماراتي في هذا الملف على المواقف السياسية، بل يمتد إلى العمل الفكري والمؤسسي في مواجهة التطرف… ففي هذا الإطار يبرز دور مركز «ترندز» للبحوث والاستشارات، الذي أطلق مشروع «موسوعة الإخوان المسلمين» في خمسة وثلاثين مجلداً، تُرجم أربعة عشر منها إلى خمس عشرة لغة عالمية، في محاولة لتفكيك البنية الفكرية للأيديولوجيات المتطرفة قبل أن تتحول إلى عنف على الأرض.

كما عززت الإمارات هذا التوجه المؤسسي عبر تعيين مبعوث خاص لمكافحة التطرف، انطلاقاً من قناعة مفادها أن كل أشكال العنف تبدأ بفكرة، وأن المواجهة المبكرة عبر المعرفة والحوار تمثل أحد أهم أدوات الوقاية من التطرف.

وفي الحالة السودانية، يكتسب هذا الملف بعداً أكثر حساسية. فالحركة الإسلامية التي وصلت إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989 أعادت تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤيتها الأيديولوجية، وهو ما يرى كثير من المراقبين أنه أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة وإشعال صراعات داخلية استمرت لعقود.

وفي ظل الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، تشير تقارير ميدانية إلى وقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين في عدد من المناطق. فقد تحدثت تقارير حقوقية عن عمليات إعدام ميدانية في مدينة ود مدني، إلى جانب انتهاكات أخرى وُصفت بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

كما أدانت تنسيقية «تقدم» ما وصفته بانتهاكات جسيمة ارتكبتها مليشيات مرتبطة بالحركة الإسلامية بحق المدنيين، بما في ذلك حوادث حرق لمنازل وسقوط ضحايا من الأطفال، معتبرة أن هذه الوقائع تستدعي تحقيقات دولية ومساءلة قانونية.

وفي سياق متصل، أثارت تصريحات أدلى بها السياسي السوداني مبارك الفاضل المهدي جدلاً واسعاً، إذ قال إن ضباطاً إسلاميين داخل الجيش السوداني، على صلة بقيادات من النظام السابق، كانوا وراء إطلاق الشرارة الأولى للحرب الحالية. وترى بعض التحليلات أن هذه التصريحات تعكس تعقيدات المشهد السوداني وتداخل العوامل السياسية والعسكرية فيه.

وفي المقابل، تواصل الإمارات دعم الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب، بما في ذلك المسار السياسي الذي تقوده «الرباعية» الدولية بمشاركة الولايات المتحدة والسعودية ومصر، والذي يهدف إلى التوصل إلى تسوية سياسية تفضي إلى انتقال مدني وإصلاح أمني شامل.

كما تؤكد أبوظبي أن أي تسوية مستدامة في السودان يجب أن تقوم على بناء مؤسسات دولة مدنية قوية قادرة على حماية المجتمع ومنع عودة دوامات العنف.

وفي الوقت ذاته، لعبت الإمارات دوراً إنسانياً بارزاً منذ اندلاع الحرب، إذ تعد من أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية للسودان، في تأكيد على أن دعم الاستقرار السياسي لا ينفصل عن الاستجابة الإنسانية لمعاناة المدنيين.

في الواقع، يرى مراقبون أن التطورات الأخيرة- وفي مقدمتها القرار الأمريكي- تعكس تحولاً متزايداً في النظرة الدولية إلى دور التنظيمات الأيديولوجية في النزاعات الإقليمية، وتعيد طرح السؤال القديم حول مستقبل الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع التنظيمات العابرة للحدود.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.