الدين في قبضة السلطة لثلاثين عاماً.. كيف شوّه الإسلاميون قيم المجتمع السوداني؟
تقرير: عين الحقيقة
على مدى ثلاثين عاماً من حكم الحركة الإسلامية في البلاد، لم يكن الجدل مقتصراً على السياسات الاقتصادية أو شكل السلطة السياسية، بل امتد إلى ما هو أعمق: البنية الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع السوداني.. فبينما رفعت السلطة آنذاك شعارات «المشروع الحضاري» و«تطبيق الشريعة»، يرى مراقبون لفساد الإخوان المسلمين أن تلك الشعارات تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة لتبرير ممارسات سياسية وسلطوية أضعفت منظومة القيم التي طالما تميز بها المجتمع السوداني.
يرى باحثون اجتماعيون في تقارير سابقة أن المجتمع السوداني، المعروف تقليدياً بقيم التسامح والتكافل والاعتدال الديني، شهد خلال تلك السنوات تحولات عميقة..
منذ وصول الإسلاميين إلى الحكم عام 1989، قدمت السلطة نفسها بوصفها حاملة لمشروع ديني أخلاقي يسعى إلى «إصلاح المجتمع»… إلا أن ثمة منتقدين لفساد الإسلاميين يقولون إن التجربة العملية كشفت تناقضاً واسعاً بين الخطاب الديني المعلن والممارسات الواقعية داخل مؤسسات الدولة، حيث استُخدم الدين، بحسبهم، كغطاء سياسي لإحكام السيطرة على السلطة والموارد.
ويرى باحثون اجتماعيون في تقارير سابقة أن المجتمع السوداني، المعروف تقليدياً بقيم التسامح والتكافل والاعتدال الديني، شهد خلال تلك السنوات تحولات عميقة. فمع توسع نفوذ التنظيم الحاكم داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد، برزت ظواهر مثل المحسوبية والولاء التنظيمي على حساب الكفاءة، وهو ما اعتبره كثيرون انقلاباً على القيم الأخلاقية التي كانت تُعد جزءاً من الهوية الاجتماعية للسودانيين.
ويقول أحد رجال الدين، فضل حجب اسمه لأسباب أمنية، لـ«عين الحقيقة»: المشكلة لم تكن في الدين، بل في توظيفه.. الدين في جوهره منظومة أخلاقية تقوم على الصدق والعدل والشفافية، لكن ما حدث هو تحويله إلى أداة سياسية… حين يتحول الدين إلى وسيلة لحماية السلطة، فإنه يفقد معناه الأخلاقي». ويضيف رجل الدين أن الخطر الأكبر في تلك التجربة لم يكن فقط في السياسات، بل في الأثر العميق الذي تركته على الوعي الديني لدى الناس:
كثير من الشباب أصبحوا يربطون بين الدين والفساد أو القمع، لأنهم رأوا الدين مستخدماً لتبرير ممارسات السلطة.. هذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع. إلى ذلك، يشير باحث من مركز دراسات إسلامية إقليمي، فضّل عدم الكشف عن هويته، لـ«عين الحقيقة»، إلى أن التجربة السودانية تقدم مثالاً واضحاً على ما يسميه «تسييس الدين».. ويقول: حين يصبح الخطاب الديني جزءاً من أدوات السلطة، فإنه يفقد استقلاليته.. العلماء والدعاة المرتبطون بالسلطة غالباً ما يجدون أنفسهم مضطرين لتبرير سياسات لا علاقة لها بالقيم الدينية. ويضيف الباحث أن المشكلة لا تكمن في استخدام المرجعية الدينية في المجال العام، بل في احتكارها سياسياً: «حين تحتكر جماعة سياسية الحديث باسم الدين، فإنها عملياً تضع نفسها فوق النقد، لأن أي اعتراض يمكن تصويره كأنه اعتراض على الدين نفسه. ويعتقد منتقدون أن هذه الظاهرة ظهرت بوضوح في السودان خلال سنوات حكم الإسلاميين، حيث تم دمج التنظيم السياسي في مؤسسات الدولة والاقتصاد والإعلام، مما خلق شبكة نفوذ واسعة عززت الولاء التنظيمي أكثر من الالتزام بالقانون أو المعايير المهنية.
الخطاب الديني الرسمي خلال تلك الفترة، ساهم في تعميق الاستقطاب داخل المجتمع السوداني، إذ جرى في أحيان كثيرة تصوير الخصوم السياسيين باعتبارهم خصوماً للمشروع الديني نفسه، «شيوعيين» «أعداء الدين» «علمانيين ملاحدة»..
كما أن الخطاب الديني الرسمي خلال تلك الفترة، بحسب بعض الباحثين، ساهم في تعميق الاستقطاب داخل المجتمع السوداني، إذ جرى في أحيان كثيرة تصوير الخصوم السياسيين باعتبارهم خصوماً للمشروع الديني نفسه، «شيوعيين» «أعداء الدين» «علمانيين ملاحدة» وهو ما أدى إلى تسييس المجال الديني بشكل غير مسبوق في التاريخ السوداني الحديث.
ويقول رجل الدين الذي تحدث لـ«عين الحقيقة»:
الدين بطبيعته يوحّد الناس، لكنه في التجربة السياسية السودانية استُخدم أحياناً كأداة للفرز والاستقطاب، وهذا يتعارض مع روح الدين نفسه». ويرى محللون أن الأثر الاجتماعي لهذه التجربة لم يتوقف عند المجال السياسي، بل امتد إلى السلوك العام داخل مؤسسات الدولة.. فمع توسع النفوذ التنظيمي، أصبحت شبكات الولاء السياسي عاملاً حاسماً في الترقي الوظيفي والحصول على الفرص الاقتصادية، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
ويقول الباحث في مركز الدراسات الإسلامية:
أخطر ما يحدث عندما تتداخل السلطة بالدين هو تآكل الثقة العامة.. الناس قد يختلفون سياسياً، لكن حين يشعرون أن الدين نفسه استُخدم لتبرير الفساد أو الظلم، فإن ذلك يخلق أزمة أخلاقية عميقة». ومع سقوط حكم الإسلاميين عام 2019، عاد النقاش مجدداً حول العلاقة بين الدين والسياسة في السودان، وحول ضرورة إعادة بناء الخطاب الديني بعيداً عن التوظيف السياسي.
ويرى كثير من المفكرين أن التحدي الأكبر أمام المجتمع السوداني اليوم يتمثل في استعادة الثقة في القيم الدينية نفسها، بعد سنوات من استخدامها في الصراع السياسي. ويقول رجل الدين في ختام حديثه: الدين في السودان كان دائماً مصدر وحدة وأخلاق.. ما حدث خلال العقود الماضية كان تجربة سياسية، لا ينبغي أن تُختزل فيها قيم الدين نفسها.. المطلوب اليوم هو إعادة الفصل بين قدسية الدين وصراعات السلطة». وبينما يستمر الجدل حول إرث تلك المرحلة، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن للمجتمع السوداني أن يستعيد التوازن بين الدين بوصفه منظومة أخلاقية جامعة، والسياسة بوصفها مجالاً للتنافس المدني؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.