(علي كرتي)… رجل (الظل) في التنظيم الإخواني الذي تطارده ملفات الفساد في السودان

بروفايل : ترسمه عين الحقيقة

ظل اسم علي أحمد كرتي لعقود أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل داخل المشهد السياسي السوداني. فهو ليس مجرد قيادي في الحركة الإسلامية أو مسؤول سابق في نظام الحكم، بل يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد العقول التنظيمية التي لعبت أدواراً مؤثرة في مفاصل السلطة خلال سنوات حكم الإسلاميين، وظل حضوره السياسي مستمراً حتى بعد سقوط النظام السابق، كرتي من مؤسسي الحركة الإسلامية السودانية، وارتبط بعلاقات وثيقة مع حسن الترابي. تولى منصب أمين عام الحركة الإسلامية بعد وفاة الترابي في 2021..

تدرج علي كرتي، الذي تخرج من جامعة الخرطوم في نهاية الثمانينيات، في عدد من المواقع التنظيمية والسياسية، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمؤتمر الوطني، الحزب الحاكم آنذاك.

ولد علي كرتي في الولاية الشمالية – نهر النيل – في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وهو خريج جامعة الخرطوم، ونشط مبكراً في صفوف الحركة الإسلامية داخل الجامعات السودانية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شهدت صعود التيار الإسلامي كقوة سياسية وتنظيمية مؤثرة في البلاد. ومن خلال هذا النشاط الطلابي والتنظيمي تمكن كرتي من بناء شبكة علاقات واسعة داخل الحركة الإسلامية، ما أهله لاحقاً لتولي أدوار قيادية داخل التنظيم.
استيلاء الاسلاميين على السلطة
ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة في السودان عام 1989، برز اسم كرتي ضمن القيادات التي لعبت أدواراً مهمة في تثبيت نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة. تدرج علي كرتي، الذي تخرج من جامعة الخرطوم في نهاية الثمانينيات، في عدد من المواقع التنظيمية والسياسية، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمؤتمر الوطني، الحزب الحاكم آنذاك.
قوات الدفاع الشعبي
أشرف على قوات الدفاع الشعبي، وكان قائدا لها، شغل عدة مناصب قبل أن يعين وزيراً للخارجية، كان منسق للدفاع الشعبي ثم وزير دولة بوزارة العدل، ووزير الدولة بوزارة الخارجية، ومن ثم وزيرا للخارجية وفي سبتمبر 2023، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على علي كرتي، المتهم بتقويض جهود السلام في السودان. وفي العقد الأول من الألفية الجديدة دخل كرتي إلى الواجهة الدبلوماسية عندما تولى منصب وزير الخارجية في السودان. وقد أتى إلى هذا الموقع من بوابة الدفاع الشعبي، أو ما عُرف بـ«كتائب الظل» العسكرية التي تعمل في الخفاء بديلاً للتنظيم في مواجهة المخاطر في حالتي السلم أو الحرب. وعلى الرغم من المناصب التي شغلها، عُرف علي كرتي داخل الحركة الإسلامية بأنه من الشخصيات التي تفضل العمل التنظيمي خلف الكواليس.
خطورة تنظيمية
يصفه خبير في شؤون الجماعات الإسلامية فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» بأنه أحد رجال التنظيم الصلبين الذين يجيدون إدارة الشبكات السياسية داخل الحركة أكثر من الظهور الإعلامي المباشر. وقد جعل هذا الدور التنظيمي اسمه يرتبط في كثير من التحليلات بإدارة التوازنات داخل التيار الإسلامي، خصوصاً خلال السنوات التي سبقت سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019. ومع انهيار نظام البشير تراجع الظهور العلني لكثير من قيادات الحركة الإسلامية، لكن اسم علي كرتي ظل حاضراً في النقاشات السياسية باعتباره أحد القيادات التي ما تزال تمتلك نفوذاً داخل التيار الإسلامي.
وتشير معلومات سياسية إلى أن كرتي يمثل بالنسبة لكثير من أنصار الحركة الإسلامية أحد الرموز التنظيمية القادرة على إعادة ترتيب صفوف التيار، في حين يرى منتقدوه أنه جزء من بنية السلطة التي حكمت السودان لعقود وتركت وراءها أزمات سياسية واقتصادية عميقة.وفي السنوات التي تلت سقوط النظام برز اسم علي كرتي في عدد من التحليلات السياسية التي ربطت بين قيادات التيار الإسلامي ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة. وتشير الروايات إلى أن كرتي لعب دوراً في دعم مسار يهدف إلى إضعاف قوى الثورة وإرباك عملية الانتقال السياسي التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018.

كرتي شارك في مشاورات غير معلنة مع قيادات عسكرية خلال الفترة التي سبقت اندلاع حرب 15 أبريل 2023، في إطار مساعٍ لإعادة ترتيب تحالفات السلطة داخل البلاد.. حيث سُرِّب آنذاك أن المجتمعين ناقشوا مآلات الأزمة السياسية وتوازنات الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة.

ترتيبات عودة الاسلاميين
كما تتداول أوساط سياسية روايات تفيد بأن كرتي شارك في مشاورات غير معلنة مع قيادات عسكرية خلال الفترة التي سبقت اندلاع حرب 15 أبريل 2023، في إطار مساعٍ لإعادة ترتيب تحالفات السلطة داخل البلاد. وتشير هذه الروايات إلى اجتماع عُقد في إحدى المزارع بضواحي الخرطوم أواخر عام 2022 وبداية عام 2023، ضم كرتي وعدداً من القيادات العسكرية، بينهم قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، حيث سُرِّب آنذاك أن المجتمعين ناقشوا مآلات الأزمة السياسية وتوازنات الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة.
كما يُنظر إلى علي كرتي داخل دوائر المتابعة السياسية باعتباره أحد الوجوه التي نسجت علاقات واسعة للحركة الإسلامية السودانية خارج الحدود. فخلال سنوات حكم الإسلاميين ارتبط اسمه في عدد من التحليلات بشبكات التواصل بين الإسلاميين في البلاد وبعض التيارات الإسلامية في الإقليم، في إطار ما كان يُعرف بالتنسيق بين حركات الإسلام السياسي.
وتشير تقديرات باحثين إلى أن كرتي لعب دوراً في إدارة قنوات اتصال غير رسمية مع أطراف إقليمية مختلفة خلال فترات عزلة حرب 15 أبريل، سواء عبر علاقات تنظيمية أو عبر مسارات دبلوماسية موازية. ويرى هؤلاء أن هذه الشبكات أسهمت في بقاء التيار الإسلامي السوداني جزءاً من منظومة أوسع من العلاقات السياسية والتنظيمية في المنطقة.

استغل كرتي منصبه السياسي لمنح امتيازات غير مستحقة لشركاته وعائلته، مما أدى إلى تضارب مصالح وتجاوزات قانونية. واستغلال الدين والسيطرة على واجهات الحركة الإسلامية

فساد كرتي:
وجود (كرتي) في قيادة التنظيم الإخواني، جعل اسمه يرتبط بكثير من ملفات الفساد ونهب الأراضي والمشاريع الزراعية:
مشروع الحديب الزراعي: في أبريل 2017، وقع عقد بين لجنة مزارعي مشروع الحديب وشركة ركاز العالمية للاستثمار المحدودة، المملوكة لكرتي، لتطوير 2000 فدان. تضمن العقد التزامات من الشركة تشمل تركيب مضخات وصيانة القنوات وتوصيل الكهرباء، لكنها لم تُنفَّذ. في سبتمبر 2021، أصدرت لجنة إزالة التمكين قرارًا بإلغاء العقد ومصادرة الأراضي.
إمبراطورية الأراضي: كشفت لجنة إزالة التمكين عن استحواذ كرتي وأسرته على حوالي 549 قطعة أرض في ولاية الخرطوم، منها 99 قطعة مسجلة باسمه في محلية بحري. تم تسجيل باقي الأراضي بأسماء أفراد أسرته لتغطية حجم التملك.
شراكات عائلية: حصل شقيقه مصطفى أحمد كرتي على 500 فدان عبر شركة المؤيثر للإنتاج الزراعي، ونجله أسامة علي كرتي خصصت له قطعة 300 فدان في مشروع “مروج المها للإنتاج الزراعي”.
تجاوزات قانونية وتضارب مصالح
مخالفات قانونية: تضمنت عقود شركات كرتي وأقاربه تأجير أراضٍ كبيرة لمدة 20 عامًا، بما يخالف نصوص قانون الاستثمار. لم يلتزموا بفترات السماح وشروط إثبات الجدية، مثل تجهيز الأرض وحفر الآبار.
استغلال النفوذ: استغل كرتي منصبه السياسي لمنح امتيازات غير مستحقة لشركاته وعائلته، مما أدى إلى تضارب مصالح وتجاوزات قانونية.
استغلال الدين والسيطرة على واجهات الحركة الإسلامية
منح جوازات سفر خاصة: كوزير للخارجية، ساهم كرتي في منح جوازات سفر خاصة لشخصيات مرتبطة بواجهات الحركة الإسلامية، مثل ماهر سالم، المدير العام لقناة وإذاعة طيبة. هذه الإجراءات ساعدت في دعم النشاط الإعلامي والتنظيمي للإسلاميين عبر الحدود.
الإجراءات القانونية والعقوبات
التحقيقات المحلية: في مارس 2020، أصدر مكتب النائب العام السوداني قرارًا بالقبض على كرتي وتجميد أصوله، لدوره في انقلاب 1989 ودعم الفساد واستغلال النفوذ.

في سبتمبر 2023، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على كرتي، متهمة إياه بتقويض السلام والأمن والاستقرار في السودان. وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات شخصية على كرتي، لدوره في تقويض عملية الانتقال الديمقراطي في السودان..

العقوبات الدولية:
الولايات المتحدة: في سبتمبر 2023، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على كرتي، متهمة إياه بتقويض السلام والأمن والاستقرار في السودان.
الاتحاد الأوروبي: في يونيو 2024، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات شخصية على كرتي، لدوره في تقويض عملية الانتقال الديمقراطي في السودان.
نموذج الفساد السياسي والديني
تجسد قضية علي كرتي نموذجًا متكاملاً للفساد في السودان:
نهب المشاريع الزراعية: مثل مشروع الحديب.
امتلاك مئات القطع العقارية باسم الأسرة: لإخفاء حجم التملك.
استغلال وزارة الخارجية: لدعم واجهات مرتبطة بالإرهاب.
شراكات عائلية: لتغطية عمليات النهب.
الجمع بين المال والسلطة والأيديولوجيا: ما جعله أحد أعمدة منظومة التمكين التي سيطرت على السودان لثلاثة عقود.
خاتمة
قضية علي أحمد كرتي تُظهر كيفية تحويل الدين والسياسة إلى أدوات للثراء والتمكين الشخصي. مصادرة أراضيه وأصوله خطوة أولى في سبيل العدالة، لكنها لن تكتمل إلا بمحاكمته علنًا وكشف شبكة الفساد التي تمتد من الخرطوم إلى الخارج، بما في ذلك أنقرة والدوحة، لضمان قطع نفوذ تجار الدين السياسي المستغلين لمقدرات الدولة والمجتمع.
اليوم، ومع استمرار التحولات السياسية والصراع العسكري في البلاد، يبقى اسم علي كرتي جزءاً من النقاش حول تآمر الإسلاميين ودورهم في المرحلة المقبلة على خلفية التصنيف الأمريكي. فبين من يراه رجل التنظيم القوي الذي ما زال يحرك الخيوط من الخلف، ومن يعتقد أن زمن تلك القيادات قد انتهى، تظل شخصية كرتي حاضرة في خلفية المشهد السياسي السوداني، حتى في اللحظات التي يغيب فيها عن الواجهة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.