بوتيرة متسارعة انتقلت حرب السودان من خنادق المسيّرات والمدافع إلى أروقة الدبلوماسية الدولية، ومع بروز الدور الإيراني المتصاعد كداعم عسكري للجيش، جاء قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية ليعيد خلط الأوراق داخل المشهد السياسي والعسكري، واضعاً المؤسسة العسكرية أمام مفترق طرق تاريخي: إما فك الارتباط مع الأيديولوجيا العابرة للحدود، أو مواجهة عزلة دولية قد تمتد لسنوات طويلة.
ويأتي القرار الأمريكي في ظل تقارب متزايد بين الإسلاميين في السودان وإيران، حيث تشير تقارير إلى أن طهران قدمت دعماً عسكرياً للحلفاء داخل السودان، شمل إمدادات تسليحية وتدريب آلاف المقاتلين المشاركين في الحرب الدائرة حالياً.
ويرى الباحث والمحلل السياسي عبد المنعم همت أن عودة الدفء للعلاقات بين إسلاميي السودان وطهران ليست مجرد تقارب عابر، بل استعادة لتحالف استراتيجي تعود جذوره إلى عام 1989.
ويشير همت إلى أن هذا التقارب تحركه عدة عوامل، أبرزها البعد الجيوسياسي الذي يمنح إيران بوابة مهمة للإشراف على الممرات الملاحية في البحر الأحمر والوصول إلى عمق القارة الإفريقية، إلى جانب سد الفراغ التسليحي الذي يواجهه السودان في ظل حظر السلاح والضغوط الدولية، حيث وجدت الحركة الإسلامية في التكنولوجيا العسكرية الإيرانية، خاصة الطائرات المسيّرة، وسيلة لترجيح كفة الجيش ميدانياً.
كما تسعى طهران- بحسب مراقبين إلى خلق جيوب نفوذ جديدة في المنطقة لمواجهة التحالفات الإقليمية المناهضة لها، مستغلة حاجة السودان إلى دعم عسكري سريع في ظل الحرب المستمرة.
لكن القرار الأمريكي الأخير لا يُنظر إليه بوصفه خطوة إجرائية فحسب، بل رسالة سياسية مباشرة للمؤسسة العسكرية.
وفي هذا السياق، يحلل الباحث عبد القادر العوض إبراهيم تداعيات التصنيف، مشيراً إلى أن إدراج الحركة الإسلامية ضمن قوائم الإرهاب أو العقوبات يضع الجيش في مأزق شرعية دولية.
ويقول العوض إن أبرز التأثيرات المتوقعة للقرار تتمثل في تجفيف المنابع المالية عبر تجميد الأصول والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحركة، الأمر الذي قد يضعف قدرتها على تمويل عمليات عسكرية مستقلة.
كما قد يؤدي القرار إلى عزل المسار العسكري للحركة، إذ قد يجد قادة الجيش أنفسهم مضطرين لفك الارتباط مع تشكيلات مثل كتائب البراء بن مالك وغيرها من الميليشيات ذات الطابع الإسلامي، تجنباً لانتقال تداعيات التصنيف إلى المؤسسة العسكرية الرسمية.
إلى جانب ذلك، قد ينعكس القرار على مسار التسوية السياسية، حيث يرجح مراقبون أن يؤدي التصنيف إلى استبعاد الشخصيات المرتبطة بالحركة الإسلامية من أي عملية سياسية مستقبلية ترعاها أطراف دولية.
وفي سياق الأسباب التي دفعت إلى هذا التصنيف، تشير تقارير استخباراتية إلى أن النشاط الإسلامي المرتبط بالحركة لم يعد محصوراً داخل السودان، بل امتد إلى تداخلات تنظيمية مع جماعات في ليبيا واليمن وسوريا.
ويرى مراقبون أن هذا الارتباط بشبكات عابرة للحدود أسهم في تغيير صورة المقاتل السوداني في نظر المجتمع الدولي، من جندي يقاتل في نزاع داخلي إلى عنصر ضمن شبكة أيديولوجية قد تهدد أمن الإقليم.
وفي ضوء هذه التطورات، يرسم مراقبون عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية.
أول هذه السيناريوهات هو الانحناء للعاصفة عبر انسحاب تكتيكي للحركة من المشهد السياسي والعسكري، ومنح القيادة العسكرية مساحة أكبر للتفاوض، وهو خيار قد يؤدي إلى تفكيك جزء من البنية التنظيمية للحركة.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في الهروب إلى الأمام عبر تعميق التحالف مع المحور الإيراني- الروسي، والدخول في مواجهة سياسية مع الغرب، وهو مسار قد يدفع السودان إلى دائرة العزلة الدولية ويقربه من نموذج الدول المنبوذة.
ويرى مختصون أن معركة استعادة القرار الوطني السوداني تبدأ بفك الارتباط بين المؤسسات الوطنية والأجندات الحزبية الضيقة، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية.
فالسودان، الذي يمتلك مقومات كبيرة للنهوض، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب لإثبات استقلال قراره السياسي والوطني بعيداً عن صراعات المحاور، بما يضمن له موقعاً متوازناً في خريطة العالم المتغير.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.