احتدم الجدل في الساحة السياسية السودانية عقب قرار أمريكي مثير للجدل صنف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية، ما فتح باباً واسعاً لردود فعل متباينة وحالة ارتباك واسعة بين الإسلاميين وحكومة بورتسودان، وسط تقديرات بأن القرار يحمل تداعيات سياسية وقانونية كبيرة على المشهد الداخلي.
وقال محلل سياسي سوداني فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن قرار وزارة الخارجية الأمريكية أحدث «صدمة سياسية واضحة داخل أوساط الإسلاميين»، مشيراً إلى أن طبيعة ردود الفعل التي صدرت عقب القرار تعكس حالة من الارتباك والقلق داخل دوائر الحركة الإسلامية ومؤسسات مرتبطة بها.
وأضاف أن الخطاب الذي صدر عن شخصيات إسلامية، إلى جانب الموقف الرسمي الصادر من بورتسودان، اتسم بمحاولات التقليل من أهمية القرار أو الالتفاف عليه سياسياً، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لحجم التداعيات السياسية والقانونية التي قد تترتب على هذا التصنيف.
ويرى مراقبون سودانيون مرحبون بالقرار أن العقوبات الأمريكية أصابت الإسلاميين «في مقتل»، معتبرين أن ردود الفعل الصادرة عنهم تعكس حالة من الارتباك السياسي ولغة مرتبطة بإرث طويل من الممارسة السياسية التي حكمت البلاد طوال الثلاثين عاماً الماضية.
ويربط هؤلاء بين القرار الأمريكي وعدد من ملفات الضحايا في السودان، من بينها ضحايا النزاعات في كردفان ودارفور، وضحايا ثورة ديسمبر، وأحداث كجبار وشرق السودان، إضافة إلى ضحايا الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، والتي يرون أن القوى الإسلامية تتحمل مسؤولية إشعالها.
وفي أولى ردود الفعل، هاجم الصحفي عبدالماجد عبدالحميد، أحد أبرز صحفيي الحركة الإسلامية في البلاد، القرار الأمريكي، معتبراً أنه يعكس التخبط الذي تعيشه إدارة ترامب في تعاطيها مع الملفات الخارجية.
وأشار عبدالماجد في منشور علي صفحته «بفيسبوك» إلى ما وصفه بتعثر الإدارة الأمريكية في «المستنقع الإيراني»، معتبراً أن كلفته باتت تتزايد على الداخل الأمريكي.
كما قال إن القرار «لا يستند إلى حيثيات موضوعية تدعمه»، معتبراً أنه امتداد لسياسات سابقة استهدفت القوى التي تناهض الهيمنة الأمريكية وتسعى إلى حماية مواردها وثرواتها في العالمين العربي والإسلامي.
كما رأى أن القرار يهدف إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الجبهة الداخلية في السودان لترخي قبضتها الداعمة والمساندة للجيش السوداني، وفتح المجال أمام عودة القوى التي وصفها بالداعمة للتمرد.
ودعا عبدالماجد الإسلاميين إلى التعامل مع القرار بجدية واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهته.
وفي السياق ذاته، قال القيادي الإخواني عمار السجاد في تدوينة علي صفحته «بفيسبوك» إن الحركة الإسلامية في السودان لا تقتصر على تنظيم محدد، بل تشمل المؤتمر الوطني بشقيه والمؤتمر الشعبي بشقيه، إلى جانب تسعة أحزاب منشقة عنهما وخمس حركات مسلحة.
وأضاف أن الحركة الإسلامية تضم أيضاً شخصيات دينية واجتماعية وقبلية، من بينها الشيخ الطيب الجد، والكباشي، والشيخ الجعلي، والناظر ترك، وموسى هلال، إلى جانب عشرات الإدارات الأهلية وشيوخ الطرق الصوفية وعدد من الكيانات والهيئات، مختتماً حديثه بعبارة «تعال احظر».
ويرى متابعون أن هذه التصريحات تعكس خطاباً مشحوناً بلغة التحدي ومحاولات التقليل من أثر القرار، في وقت توحي فيه طبيعة ردود الفعل بوجود قلق واضح داخل الدوائر المرتبطة بالحركة الإسلامية.
في المقابل، جاء موقف وزارة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة بورتسودان في بيان رسمي اتسم، بحسب تقديرات سياسية، بمحاولة التعامل مع القرار دون الخوض المباشر في تداعياته.
وقال بيان الخارجية إن الحكومة تابعت قرار الولايات المتحدة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً، مؤكدة موقفها المبدئي في إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف «دون استثناء أو انتقائية».
واعتبر البيان أن كل الجماعات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني وترتكب الإرهاب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في السودان يجب أن تُصنَّف جماعات إرهابية.
كما طالبت حكومة بورتسودان المجتمع الدولي بالاستجابة للدعوات المطالبة بتصنيف قوات الدعم السريع «المتمردة» جماعة إرهابية «علي حد تعبير البيان»
وأكد البيان التزام الحكومة بحماية أمن البلاد واستقرارها وصون أرواح المواطنين وكرامتهم، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقاً للقانون الوطني وبما يتوافق مع التزامات السودان الدولية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
وفي ضوء ذلك، تشير مجمل ردود الفعل التي أعقبت القرار الأمريكي إلى حالة من التباين والارتباك داخل أوساط الحركة الإسلامية، بين خطاب يتسم بالتحدي ومحاولات التقليل من أثر القرار، ومواقفَ رسمية تسعى إلى احتواء تداعياته سياسيًا.
وفي الواقع، فإن هذا التطور الأمريكي قد يفتح مرحلةً جديدةً من الضغوط والتدقيق الدولي في دور الإسلاميين داخل المشهد السوداني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.