صلاح مناع يكتب .. البرهان: الجنرال الذي ضحّى بالدولة من أجل السلطة

 

لم يشهد تاريخ السودان الحديث قائداً عسكرياً وضع بقاءه في السلطة فوق مصلحة الدولة والشعب كما فعل عبد الفتاح البرهان. فمنذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، دخل السودان مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تقود إلى حكم مدني ديمقراطي، إلا أن مسار تلك المرحلة تعرض لعرقلة مستمرة انتهت بانهيار الدولة ودخول البلاد في حرب مدمرة.

بداية الصراع داخل الدولة

منذ الأيام الأولى للفترة الانتقالية، سعت القيادة العسكرية إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة. فقد أصرّ البرهان على أن يكون قائد قوات الدعم السريع نائباً له في مجلس السيادة، وهو منصب لم يكن قائماً من قبل. وقد فُسّر ذلك على نطاق واسع باعتباره محاولة لخلق قوة موازنة داخل المؤسسة العسكرية ومنع أي تحرك من الضباط الإسلاميين الذين كانوا يشكلون مراكز نفوذ داخل الجيش.

وفي تلك الفترة شهدت البلاد حادثة تصفية إدارة العمليات التابعة لجهاز الأمن في مشهد درامي تم خلال يوم واحد، دون أن تظهر حتى اليوم نتائج تحقيق واضحة حول ما جرى.

مجزرة فض الاعتصام

شكلت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019 واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ السودان الحديث. فقد صرّح عضو المجلس السيادي آنذاك الفريق شمس الدين كباشي بأن عملية الفض تمت بموافقة مجلس الأمن والدفاع وبحضور ممثلين من القضاء والنيابة العامة، وهو ما يشير إلى أن القرار كان قراراً سياسياً وأمنياً على أعلى مستوى في الدولة.

وتشير روايات عديدة إلى تورط عناصر من الأمن الشعبي وكتائب مرتبطة بالحركة الإسلامية مثل كتيبة البراء بن مالك في عمليات القتل أثناء فض الاعتصام، في ظل قيادة مشتركة ضمت الجيش وقوات الدعم السريع.

محاولة اغتيال عبد الله حمدوك

في 9 مارس 2020 تعرض رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك لمحاولة اغتيال عندما انفجرت عبوة ناسفة استهدفت موكبه في الخرطوم أثناء توجهه إلى مقر عمله. وقد نجا حمدوك من الهجوم، لكن الحادثة أثارت صدمة واسعة في البلاد.

وخلال اجتماع مجلس الأمن والدفاع الذي شارك فيه المكونان العسكري والمدني، تم سؤال القيادة العسكرية وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان عن نتائج التحقيق في محاولة الاغتيال. وبعد مرور ثلاثة أشهر لم تُعلن أي نتائج واضحة، وكان الرد في النهاية هو الصمت.

ورأى كثير من المراقبين أن اغتيال حمدوك – لو نجح – كان سيؤدي إلى أزمة سياسية عميقة، إذ كان من الصعب على القوى المدنية التوافق سريعاً على رئيس وزراء جديد، وهو ما كان سيخلق فراغاً دستورياً قد يُستغل للانقضاض على السلطة.

تصعيد الفوضى السياسية

في الفترة اللاحقة تصاعدت التوترات في عدة مناطق من البلاد. فقد شهدت دارفور موجات من العنف القبلي سقط فيها مئات القتلى، بينما شهد شرق السودان إغلاق الطريق القومي المؤدي إلى ميناء بورتسودان عبر قيادات أهلية مرتبطة بالنظام السابق، ما أدى إلى شل حركة الوقود والسلع في البلاد.

كما سعت القيادة العسكرية إلى بناء تحالفات سياسية جديدة مع بعض الحركات المسلحة، من بينها فصائل يقودها مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، وهو ما أدى إلى انقسام قوى الحرية والتغيير وظهور ما عُرف لاحقاً بـ اعتصام القصر أو “اعتصام الموز”.

وفي الوقت نفسه ظهرت حملات تعبئة إعلامية وسياسية ضد الحكومة المدنية، من بينها حملة الزحف الأخضر ومظاهرات مرتبطة بفلول النظام السابق في 30 يونيو 2020.

وفي 30 يونيو 2021 ظهرت حملة عُرفت باسم حملة “اختونا”، وهي كلمة متداولة في العامية السودانية تعني “خلّونا” أو “حلّوا عنا”، وقد استُخدمت كشعار سياسي للمطالبة برحيل الحكومة المدنية.

انقلاب 25 أكتوبر

بلغ الصراع ذروته في 25 أكتوبر 2021 عندما نفذ البرهان انقلاباً عسكرياً أطاح بالحكومة المدنية تحت مسمى “تصحيح المسار”، لكنه في الواقع أنهى الشراكة المدنية العسكرية وأعاد السلطة كاملة إلى المؤسسة العسكرية.

الطريق إلى حرب 15 أبريل

منذ ذلك الانقلاب دخل السودان في مسار متصاعد من التوترات العسكرية والسياسية انتهى بانفجار الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهي الحرب التي تحولت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم اليوم.

الكارثة الإنسانية

تشير التقديرات إلى أن الحرب تسببت في أكبر أزمة نزوح في العالم حالياً:
•9.1 مليون نازح داخلياً داخل السودان
•أكثر من 11 مليون شخص أُجبروا على مغادرة منازلهم
•نحو 3.1 مليون لاجئ فروا

والنتيجة كانت بلداً مدمراً، واقتصاداً منهاراً، وملايين النازحين واللاجئين، ومستقبلاً مهدداً لجيل كامل من السودانيين

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.