اقتصاد التمكين: كيف سيطرت الحركة الإسلامية على الشركات والأموال؟

ظل ملف الشركات المرتبطة بالحركة الإسلامية في السودان أحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث عمل النظام السابق على إنشاء شبكة اقتصادية واسعة موازية لمؤسسات الدولة، تقوم على السيطرة على الشركات الكبرى وتجنيب الأموال العامة والاستحواذ على عقارات وأصول استراتيجية خارج الأطر الرسمية للمالية العامة.

ومع سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أعقاب ثورة ديسمبر 2018، عادت هذه الملفات إلى الواجهة، خاصة بعد أن كشفت تقارير رسمية ولجان تحقيق عن وجود منظومة مالية معقدة كانت تعمل لصالح الحركة الإسلامية عبر شركات استثمارية وشبكات اقتصادية داخل السودان وخارجه.

تشير تقارير حكومية سابقة إلى أن الحركة الإسلامية عملت منذ تسعينيات القرن الماضي على بناء شبكة من الشركات والاستثمارات المرتبطة بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد تنوعت هذه الشركات بين قطاعات المصارف والعقارات والتعدين والزراعة والخدمات، ما منحها نفوذاً اقتصادياً واسعاً.

ومن بين الشركات التي كثيراً ما ورد اسمها في تقارير اقتصادية وإعلامية عند الحديث عن شبكات التمكين الاقتصادي شركات مثل «زادنا العالمية للاستثمار، وشركة الاتجاهات المتعددة، ومجموعة شركات عبدالباسط حمزة»، إضافة إلى شركات تعمل في قطاع التعدين والزراعة والخدمات اللوجستية.

كما برزت شركات أخرى في تقارير لجنة إزالة التمكين مثل شركة الفاخر للأعمال المتقدمة التي ارتبط اسمها بملف تصدير الذهب، إضافة إلى شركات في قطاع النقل والخدمات النفطية ارتبطت بمؤسسات عسكرية أو أمنية خلال سنوات الحكم السابق.

ويرى خبراء اقتصاديون أن بعض هذه الشركات لم تكن تعمل دائماً وفق قواعد المنافسة الطبيعية في السوق، بل استفادت في كثير من الأحيان من الامتيازات الحكومية والتسهيلات المصرفية والعقود المباشرة مع الدولة.

ويقول اقتصاديون لـ«عين الحقيقة» إن هذا النموذج أدى إلى نشوء ما يُعرف باقتصاد التمكين، وهو نظام اقتصادي قائم على منح الامتيازات الاقتصادية والسيطرة على الموارد لصالح جهات سياسية محددة، الأمر الذي انعكس سلباً على المنافسة والاستثمار في البلاد.

ومن أبرز الاتهامات التي وُجهت إلى الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحركة الإسلامية قضية تجنيب الأموال، وهي ممارسة تقوم على إبقاء إيرادات بعض المؤسسات والشركات خارج حسابات وزارة المالية «تجنيب الأموال خارج النظم المصرفية».

وبحسب تقارير رقابية، فإن هذه الممارسة كانت تتم عبر حسابات مصرفية خاصة أو شركات تعمل كواجهات مالية، بحيث تُدار الأموال بعيداً عن الموازنة العامة للدولة.

ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن هذه الظاهرة أدت إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة مواردها المالية، كما ساهمت في تقليص الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات الحكومية.

ويقول محللون إن تجنيب الأموال أصبح خلال سنوات حكم النظام السابق جزءاً من منظومة اقتصادية واسعة تشمل شركات حكومية وشبه حكومية وأخرى مرتبطة بجهات أمنية أو سياسية.

إلى جانب الشركات، يثير ملف العقارات المرتبطة بالحركة الإسلامية جدلاً كبيراً، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن شبكة واسعة من الأراضي والعقارات تم تسجيلها بأسماء أفراد أو شركات مرتبطة بالحركة خلال سنوات الحكم السابقة.

وتشمل هذه الأصول، وفق تقارير إعلامية ولجان تحقيق، أراضي استثمارية في العاصمة الخرطوم وعدداً من الولايات، إلى جانب مبانٍ تجارية ومقرات مؤسسات وشركات.

وقد حاولت لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة خلال الفترة الانتقالية «حكومة ثورة ديسمبر» مراجعة عدد كبير من هذه الأصول، حيث أعلنت عن قرارات بمصادرة واسترداد أراضٍ وعقارات قالت إنها حصلت عليها عبر النفوذ السياسي أو بطرق غير قانونية.

وشملت تلك القرارات مراجعة ملكية شركات وأراضي ومقار مرتبطة بعدد من المؤسسات الاقتصادية التي نشأت خلال فترة حكم النظام السابق، إضافة إلى شركات تعمل في مجالات الاستثمار الزراعي والعقاري والخدمات.

إلا أن هذه القرارات واجهت تحديات قانونية وسياسية، خاصة بعد التغيرات التي طرأت على المشهد السياسي في البلاد، لا سيما اندلاع حرب 15 أبريل.

ووفقاً للمعلومات المتاحة لـ«عين الحقيقة»، تشير تقارير اقتصادية إلى أن بعض الشركات المرتبطة بالحركة الإسلامية عملت عبر ما يُعرف بشركات الواجهة، وهي شركات مسجلة بأسماء أفراد أو رجال أعمال لكنها تعمل فعلياً لصالح جهات سياسية أو تنظيمية.

ويرى خبراء أن هذا النموذج سمح بإدارة استثمارات داخلية وخارجية بعيداً عن الرقابة الحكومية المباشرة.

كما تشير تقارير غير رسمية إلى وجود استثمارات في دول إقليمية عبر شركات أو شراكات تجارية، ما صعّب تتبع حركة الأموال والأصول المرتبطة بهذه الشبكات الاقتصادية.

ويرى اقتصاديون أن هيمنة الشركات المرتبطة بالحركة الإسلامية على قطاعات اقتصادية حيوية ساهمت في تشويه بنية الاقتصاد السوداني، حيث أدى غياب المنافسة العادلة إلى إضعاف القطاع الخاص المستقل.

كما أن انتشار ظاهرة تجنيب الأموال أضعف النظام المالي للدولة، إذ فقدت الخزينة العامة جزءاً مهماً من الإيرادات التي كان يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة والبنية التحتية.

ويقول محللون إن هذا الوضع ساهم في تعميق الأزمات الاقتصادية التي واجهها السودان في السنوات الأخيرة، بما في ذلك التضخم وارتفاع معدلات الفقر وتراجع الاستثمار.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومة الانتقالية برئاسة د. عبدالله حمدوك في عام 2019 لتفكيك شبكات التمكين الاقتصادي، فإن هذه العملية واجهت صعوبات كبيرة تتعلق بتعقيد البنية القانونية للشركات وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية.

كما أن بعض الشركات تم تسجيلها بأسماء أفراد أو عبر هياكل ملكية معقدة، ما يجعل إثبات ارتباطها التنظيمي بالحركة الإسلامية أمراً صعباً من الناحية القانونية.

ويشير خبراء قانونيون إلى أن معالجة هذا الملف تتطلب إصلاحات عميقة في قوانين الشركات والشفافية المالية، إلى جانب تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية.

ومع استمرار الأزمة السياسية والحرب في البلاد منذ عام 2023، تراجع الاهتمام الرسمي بملف الفساد الاقتصادي المرتبط بالنظام السابق، غير أن مراقبين يرون أن هذا الملف سيظل حاضراً في أي نقاش حول مستقبل الحكم والإصلاح الاقتصادي في البلاد.

ويرى هؤلاء أن بناء اقتصاد شفاف وقائم على المنافسة العادلة يتطلب معالجة جذور اقتصاد التمكين وإعادة النظر في ملكية الشركات والأصول التي نشأت في ظل نظام الحركة الإسلامية السابق والتي صنفت إرهابيا مؤخراً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

وبينما تتباين التقديرات حول حجم هذه الشبكات الاقتصادية ونفوذها الحقيقي، يتفق كثير من المراقبين على أن تفكيك اقتصاد الظل واستعادة الأموال والأصول العامة سيظل أحد التحديات الكبرى أمام أي مشروع لإعادة بناء الدولة السودانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.