أعاد التسريب الصوتي المنسوب للقيادي في المؤتمر الوطني المحلول، عثمان محمد يوسف كبر، فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السوداني، وهي حجم النفوذ الذي تمارسه الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والجيش خلال الحرب الدائرة.
ويأتي ذلك في وقت يرى فيه معارضون أن ما كشفه التسجيل سواء صحّ أو نُفي يفضح طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش والتنظيم الإسلامي الذي ظل لسنوات طويلة مهيمنًا على السلطة.
التسجيل الذي بثته قناة سكاي نيوز عربية أثار موجة واسعة من الجدل السياسي، بعد أن تضمّن حديثًا نُسب إلى كبر يفيد بأن قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لا يمتلك قرارًا مستقلاً، وأن الحركة الإسلامية ما تزال تمسك بخيوط المشهد السياسي والعسكري من خلف الستار.
تصاعد الاتهامات
يرى مراقبون أن خطورة هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضًا، إذ تتزامن مع ضغوط دولية متزايدة على السودان، ومع تصاعد الاتهامات بوجود دور فاعل للإسلاميين في إدارة الحرب، وهو ما يعمّق عزلة البلاد ويزيد من تعقيد مسار الحل السياسي.
▪︎ تصريح كبر والتقاطعات الدولية
اعتبر الناشط السياسي عبد الحميد إلياس سليمان أن تسريب حديث كبر لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الدولي، مشيرًا إلى أن توقيته يتقاطع مع تصنيفات وضغوط أمريكية متزايدة ضد تيارات الإسلام السياسي.
وقال إن ما يجري لم يعد مجرد صراع داخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل بات جزءًا من مواجهة أوسع تتداخل فيها حسابات إقليمية ودولية مرتبطة بملفات الإسلام السياسي وعلاقاته الخارجية.
وبحسب تحليله، فإن المشهد يقف أمام احتمالين رئيسيين:
الأول يتمثل في أن تدفع الضغوط المتصاعدة قائد الجيش إلى فك الارتباط مع الإسلاميين، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مفاوضات سياسية جادة تقود إلى إنهاء الحرب والانتقال إلى مسار سياسي جديد.
▪︎ تعميق العزلة وإطالة الحرب
أما السيناريو الثاني وهو الأكثر ترجيحًا في نظره حاليًا – فيتمثل في استمرار هذا الارتباط، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق عزلة السودان وإطالة أمد الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، بما يهدد بتحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، شبيه بما حدث في دول أخرى مزقتها الحروب.
وفي السياق ذاته، قال الناطق باسم تحالف “صمود”، جعفر حسن عثمان، إن ما ورد في التسجيل المسرب يضع البرهان أمام اختبار سياسي حقيقي، إذ يطرح تساؤلات مباشرة حول مدى استقلال قراره السياسي والعسكري.
▪︎ الحركة الإسلامية ونفوذ الظل
وأوضح جعفر أن حديث كبر – في حال صحته – يعكس حجم النفوذ الذي ما تزال تتمتع به الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وهو نفوذ ظل محل جدل منذ اندلاع الحرب.
وأشار إلى أن هذا الجدل يتقاطع مع تصريحات سابقة لقيادات إسلامية تحدثت صراحة عن دور التنظيم في إدارة المعارك على الأرض، الأمر الذي يعزز الشكوك حول طبيعة العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية.
وفي خضم هذا السجال، سارع عثمان محمد يوسف كبر إلى نفي صحة التسجيل، واعتبر ما بثته سكاي نيوز مجرد “تسريبات مفبركة”، مؤكدًا أنه منذ عام 2019 ظل إما معتقلاً أو خارج البلاد، وبالتالي لا يمكن أن يكون قد شارك في اجتماعات أو اتخذ قرارات سياسية كما ورد في التسجيل.
▪︎ إدارة الحكومة من خلف الستار
وأضاف، في بيان رسمي، أن القناة تسعى إلى بناء سرديات سياسية مضللة، هدفها إقناع الرأي العام بأن الحركة الإسلامية تدير الحكومة الحالية من خلف الستار، معتبرًا أن الهدف الحقيقي من هذه الرواية هو إثارة الفتنة داخل القوى الداعمة للجيش.
لكن، رغم هذا النفي، يرى معارضون أن مجرد تداول مثل هذه التصريحات يكشف حجم الأزمة التي يعيشها السودان، ويؤكد أن ظل الإسلاميين ما يزال حاضرًا بقوة في المشهد السياسي والعسكري.
هل تخرج البلاد من الأزمة؟
ويقول منتقدون إن البلاد لن تتمكن من الخروج من أزمتها ما دام نفوذ التنظيمات الأيديولوجية القديمة يهيمن على القرار السياسي والعسكري، في وقت يدفع فيه ملايين السودانيين ثمن حرب مدمرة وانهيار اقتصادي وإنساني غير مسبوق.
ويبقى التسريب، سواء ثبتت صحته أو نُفي، مؤشرًا على عمق أزمة الثقة في المشهد السياسي السوداني، وعلى الجدل المستمر حول حدود نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والجيش. وبين الاتهامات والنفي، يظل السؤال الأهم معلقًا: هل يستطيع السودان الخروج من دوامة الحرب دون حسم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية التي ظلت مؤثرة في القرار لسنوات طويلة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.