بيان نافع وعورة المنهج.. حكاية “أولاد الحرام” بين قوش والسنوسي

عمار نجم الدين

في أحد أيام عام 2004 داخل سجن كوبر دار حوار قصير امامي بين مدير جهاز الأمن آنذاك صلاح قوش وإبراهيم السنوسي لكنه كان كافيا ليكشف طبيعة المشروع الذي حكم السودان ثلاثين عاما. قال السنوسي معاتبا:
(( نحن بخير إذا و قفتنا أولاد الحرام ديل مننا ؟))
يقصد صغار ضباط المعتقلات.
فرد قوش ضاحكا بسخرية باردة
(( ونحن إذا ما كنا أولاد حرام بنجيب أولاد حرام ))
ذلك الحوار القصير لم يكن مجرد نكتة قاسية داخل المعتقل بل كان اختصارا مكثفا لمأساة دولة تحولت إلى إقطاعية أمنية تتبادل فيها الأجنحة المواقع بين السلطة والسجون حيث تصبح الأخلاق وسيلة عابرة بينما يبقى البطش هو اللغة النهائية للحكم.
في تلك الأيام وخلف جدران كوبر التي كانت تضيق علينا لم يكن السجن مجرد قضبان تحاصر الأجساد بل كان مساحة طويلة للتفكير ومراجعة الأفكار التي حكمت السودان لسنوات. وبين نقاشات واقتسام الخبز مع بعض قيادات الحركة الإسلامية قلت رأيا واضحا إن إدخال أفكار سيد قطب إلى الواقع السوداني كان الخطيئة الكبرى التي أصابت الدولة الوطنية في مقتل. فمفهوم “الولاء والبراء” في نسخته القطبية حول السياسة من تنافس مدني لخدمة الناس إلى صراع وجودي وكلما ازداد التنظيم تمسكا بهذه الطهرانية المغلقة ازداد جسد الدولة السودانية ضعفا وتآكلا.
لم يكن هذا النقد ليمر بسهولة داخل المعتقل. فقد قوبلت تلك الملاحظات بقطيعة واضحة وكأن نقد “الظلال” مساس بالمقدسات. حتى حسن الترابي نفسه في لحظة مصارحة نادرة نصح بتجنب هذا الصدام قائلا إن الإخوان لا يحتملون نقد سيد قطب. يومها اعترف بأن هذه الأفكار تحمل نزعة صدامية ترهق المجتمع لكنه أقر أيضا بأن مراجعتها من داخل التنظيم تكاد تكون مستحيلة لأن التنظيم حين يعتاد فكرة تتحول مع الوقت إلى عقيدة لا تقبل النقاش.
من رحم هذا الانغلاق وتلك الصراعات يطل علينا اليوم بيان نافع علي نافع الذي يحاول إقناع السودانيين بأن المؤتمر الوطني ليس إلا حزبا سياسيا سودانيا خالصا لا علاقة له بجماعة الإخوان المسلمين. غير أن هذه الرواية تصطدم بوقائع تاريخية موثقة. فالعلاقة بين المؤتمر الوطني والتنظيم العالمي للإخوان لم تكن مجرد تعاطف فكري بل علاقة تنظيمية وسياسية عميقة وثقتها اجتماعات ومؤتمرات وشبكات تنسيق عابرة للحدود حتى بدا الطرفان في كثير من الأحيان كجسد واحد داخل بنية تنظيمية أوسع يصعب الفصل بين أجزائها.
ولعل التجربة السودانية في التسعينيات تقدم مثالا واضحا على ذلك. ففي زمن المؤتمر الشعبي الإسلامي الذي نظمه حسن الترابي في الخرطوم ١٩٩١ م تحولت السودان إلى مركز سياسي وتنظيمي لقيادات الإخوان والحركات الإسلامية العالمية. كانت شخصيات مثل الترابي في السودان وراشد الغنوشي من تونس وعبد المجيد الزنداني من اليمن تتردد على الخرطوم باعتبارها مركزا للحركة والتنظيم.
وفي تلك الفترة أيضا استقر في السودان أسامة بن لادن و ايمن الظواهري وعدد من الشخصيات المرتبطة بالتيار الجهادي القطبي الذي تبلور لاحقا فيما عرف بتنظيم القاعدة بعد انتقاله إلى أفغانستان و الذي كان تاسيسه تحت مظلة الاخوان المسلمين و المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي .
كما احتضنت الخرطوم في تلك السنوات علاقات سياسية ومالية مع عدد من الحركات الإسلامية الإقليمية ومن بينها حركة حماس التي كان لها حضور تنظيمي ومالي عبر ممثلين لها في السودان منذ تسعينيات القرن الماضي.
كل ذلك جعل السودان في تلك المرحلة نقطة التقاء لتيارات متعددة داخل الحركة الإسلامية العالمية وهو واقع يصعب إنكاره أو القفز فوقه ببيان سياسي متأخر.
لهذا فإن ما يطرحه نافع اليوم لا يبدو مراجعة تاريخية شجاعة بقدر ما يبدو مناورة سياسية متأخرة. فمحاولة تقديم المؤتمر الوطني ككيان منفصل عن الإخوان ليست سوى محاولة لتبديل اليافطة بينما يبقى البناء نفسه قائما. فالتنظيم الذي حكم السودان ثلاثين عاما باسم المشروع الحضاري ورفع شعارات الجهاد واستند إلى أدبيات البنا وقطب لا يمكن أن يتحول فجأة إلى حزب مدني بلا ذاكرة.
نحن أمام مؤسسة واحدة لها اسمان اسم حركي للتنظيم واسم دلع سياسي للحزب. كلاهما وجهان لعملة واحدة لا تقبل التجزئة. فالتاريخ الذي أثقل كاهل البلاد بثلاثة عقود من الأزمات لا يمحى ببيان صحفي والمسؤولية السياسية لا تسقط بتغيير الأسماء أو التنصل من المرشد.
فالأسماء قد تتبدل لكن المنهج الذي حكم السودان ثلاثين عاما لا يستطيع الهروب من التاريخ ببيان صحفي .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.