في السودان، لم تعد الخيبات تأتي من الخصوم فقط، بل من أولئك الذين ظنهم الناس يوماً جزءاً من الحلم. من وقفوا في الصفوف الأولى، وهتفوا باسم الثورة، ثم وجدوا أنفسهم بطريقة أو بأخرى في قلب أسئلة ثقيلة، تتعلق بالسلاح، والمال، والحرب التي تلتهم ما تبقى من البلاد.
حين يرد اسمٌ ارتبط بتجمع المهنيين، وبأيام ديسمبر التي كانت نقية كأحلام الشباب، ضمن قضية تتعلق بتهريب السلاح، فإن المسألة لا تعود مجرد ملف قانوني. إنها جرح أخلاقي مفتوح، وسؤال قاسٍ عن معنى الانتماء للثورة، وحدود السقوط حين تتبدل المواقع.
الثورة لم تكن منصة عبور نحو السلطة، ولا جسراً نحو المصالح. كانت وعداً بأن هذا البلد يمكن أن يُبنى على دماء شهدائه، لا أن يُتاجر بها. لذلك، فإن أي اقتراب على مستوى الاتهام من دوائر الحرب والسلاح، يضع صاحبه في مواجهة ذاكرة شعب لا ينسى بسهولة.
ما الذي يحدث حين يتحول بعض أبناء الثورة إلى أطراف في مشهد يغذّي الحرب، لا يوقفها؟ كيف يمكن تفسير هذا التناقض بين الشعارات التي رُفعت يوماً، والواقع الذي يبدو اليوم مشبعاً برائحة البارود؟
قد يقول قائل إن الاتهامات لم تثبت بعد، وهذا صحيح. العدالة لا تُبنى على الظنون. لكن السياسة، بخلاف القضاء، لا تنتظر الأحكام فقط، بل تحاكم أيضاً المواقف، والخيارات، والمسارات التي يختارها الأفراد.
الثورة كانت اختباراً أخلاقياً قبل أن تكون حدثاً سياسياً. ومن يفشل في هذا الاختبار، حتى على مستوى الشبهة، يخسر شيئاً لا يمكن استعادته بسهولة: الثقة.
المشكلة ليست في شخص واحد، بل في الظاهرة. في ذلك الانزلاق البطيء من خطاب الحرية إلى متاهات المصالح، ومن أحلام الدولة المدنية إلى صفقات تدور في الظل. وكأن الحرب لم تعد مأساة يجب إنهاؤها، بل فرصة يعاد عبرها توزيع الأدوار والمكاسب.
السودانيون الذين خرجوا إلى الشوارع لم يكونوا سذّجاً. كانوا يعرفون أن الطريق طويل، وأن الثورة ليست نهاية، بل بداية. لكنهم لم يتوقعوا أن يكون بعض من حملوا رايتها يوماً، جزءاً من الأسئلة التي تهدد معناها.
الخيانة ليست دائماً فعلاً مثبتاً في محكمة، بل قد تكون شعوراً عاماً، يتسلل حين يرى الناس أحلامهم تُباع في سوق الحرب.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم، ليس فقط استمرار القتال، بل تآكل المعنى. أن يفقد الناس إيمانهم بأن هناك فرقاً حقيقياً بين من ثاروا ضدهم، ومن ادعوا تمثيلهم. إن كانت الثورة قد سُرقت مرة، فلا يجب أن تُخان مرتين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.