ثلاثة عقود من التمكين: كيف دفع السودان فاتورة باهظة من الفساد والعزلة والانقسام
تقرير: عين الحقيقة
شكّلت سنوات حكم نظام المؤتمر الوطني، الذراع السياسي للحركة الإسلامية في السودان، واحدة من أكثر الفترات تأثيراً على مسار الاقتصاد والدولة، حيث يرى خبراء ومحللون أن سياسات تلك المرحلة أسهمت في إهدار موارد هائلة، وتسببت في خسائر مباشرة وغير مباشرة تُقدّر بمئات المليارات، وربما تصل – وفق بعض التقديرات – إلى نحو تريليون دولار.
خلال ثلاثة عقود من الحكم، شهد الاقتصاد السوداني تدهوراً غير مسبوق في المؤشرات الكلية، حيث ارتفع الدين الخارجي إلى أكثر من 58 مليار دولار، بينما فقد الجنيه السوداني قيمته بشكل حاد
اقتصاد منهك وديون متراكمة
خلال ثلاثة عقود من الحكم، شهد الاقتصاد السوداني تدهوراً غير مسبوق في المؤشرات الكلية، حيث ارتفع الدين الخارجي إلى أكثر من 58 مليار دولار، بينما فقد الجنيه السوداني قيمته بشكل حاد، متراجعاً من مستويات محدودة أمام الدولار إلى عشرات الآلاف في السوق الموازي بعد إزالة الأصفار من العملة. كما ارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من 19%، وقفز التضخم إلى نحو 67% وفق تقديرات رسمية، في وقت خرجت فيه مئات المصانع من دائرة الإنتاج، وتراجعت قدرات المشاريع الاقتصادية الكبرى، ما انعكس سلباً على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد.
فساد ممنهج وخسائر ضخمة
يرى مراقبون أن أحد أبرز أسباب هذا التدهور يعود إلى تفشي الفساد داخل بنية النظام، حيث ارتبطت شبكات نافذة بعمليات نهب وتهريب أموال وموارد على نطاق واسع. ويشير الأكاديمي السوداني عصام عبدالوهاب بوب إلى أن الخسائر التراكمية – المباشرة وغير المباشرة – للفساد قد تصل إلى تريليون دولار، نتيجة بيع مؤسسات عامة، وتدمير مشاريع إنتاجية، إضافة إلى تداعيات العقوبات الدولية وانفصال جنوب السودان. وفي السياق ذاته، يؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم محمد الجاك أن الاقتصاد السوداني فقد فرصاً استثمارية وتمويلية ضخمة بسبب غياب الشفافية، مشيراً إلى أن عائدات النفط، التي كان يمكن أن تدفع بعجلة التنمية، تم توجيه جزء كبير منها لخدمة شبكات النفوذ بدلاً من تطوير القطاعات الإنتاجية.
الزراعة: انهيار مشروع الجزيرة
لم يسلم القطاع الزراعي، الذي كان يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني، من آثار هذه السياسات. فقد تعرض مشروع الجزيرة – أحد أكبر المشاريع الزراعية في أفريقيا – لعمليات تفكيك وتراجع تدريجي، بعد أن كان يشكل ركيزة أساسية للإنتاج والصادرات. وتراجعت صادرات القطن، على سبيل المثال، من نحو 200 مليون دولار سنوياً قبل وصول الإسلاميين إلى الحكم، إلى متوسط لا يتجاوز 24 مليون دولار خلال سنوات لاحقة، ما يعكس حجم التدهور في أحد أهم المحاصيل النقدية في البلاد.
مثّل النفط فرصة تاريخية للاقتصاد السوداني، إلا أن سوء الإدارة والفساد حالا دون الاستفادة المثلى منه. وبحسب تقديرات اقتصادية، فقد السودان بعد انفصال الجنوب عام 2011 إنتاجاً يومياً يقارب 480 ألف برميل
النفط: فرصة ضائعة
مثّل النفط فرصة تاريخية للاقتصاد السوداني، إلا أن سوء الإدارة والفساد حالا دون الاستفادة المثلى منه. وبحسب تقديرات اقتصادية، فقد السودان بعد انفصال الجنوب عام 2011 إنتاجاً يومياً يقارب 480 ألف برميل، ما أدى إلى خسارة نحو 96 مليار دولار خلال أقل من عقد. ويرى خبراء أن عائدات النفط، بدلاً من أن تُستخدم في تنويع الاقتصاد، جرى توظيفها بشكل محدود في دعم شبكات السلطة، ما فاقم من هشاشة الاقتصاد بعد فقدان هذه الموارد.
العقوبات والعزلة الدولية
أدت السياسات الخارجية للنظام، بما في ذلك استضافة أسامة بن لادن خلال تسعينيات القرن الماضي، إلى إدراج السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض عقوبات اقتصادية أمريكية استمرت من 1997 حتى 2017.
وقدّرت الخسائر الناتجة عن هذه العقوبات بما يتراوح بين 100 و500 مليار دولار، نتيجة تعطّل قطاعات حيوية وفقدان الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق العالمية. كما تضررت مؤسسات كبرى مثل Sudan Airways، التي فقدت معظم أسطولها بسبب القيود المفروضة على قطع الغيار، إضافة إلى تراجع شبكة السكك الحديدية بنسبة كبيرة.
انفصال الجنوب: كلفة سياسية واقتصادية
يمثل انفصال جنوب السودان عام 2011 محطة مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، حيث يرى محللون أن السياسات التي اتبعها النظام، والخطاب الأيديولوجي الذي تبناه، أسهما في تعقيد الأزمة وإغلاق فرص الحلول السلمية، ما قاد في النهاية إلى الانفصال. وقد ترتب على ذلك فقدان جزء كبير من الموارد النفطية، إلى جانب تداعيات سياسية واقتصادية عميقة لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
أحد أبرز مظاهر الفساد خلال تلك الفترة تمثل في إنشاء آلاف الشركات الحكومية وشبه الحكومية، التي تحولت في كثير من الأحيان إلى واجهات اقتصادية مرتبطة بشبكات نافذة داخل النظام
شبكات اقتصادية موازية
يشير محللون إلى أن أحد أبرز مظاهر الفساد خلال تلك الفترة تمثل في إنشاء آلاف الشركات الحكومية وشبه الحكومية، التي تحولت في كثير من الأحيان إلى واجهات اقتصادية مرتبطة بشبكات نافذة داخل النظام. ويرى المحلل الصحفي محمد وداعة أن هذه الشبكات ساهمت في خلق تشوهات هيكلية داخل الاقتصاد، من خلال ممارسات احتكارية وغياب الرقابة، إضافة إلى عمليات اقتراض غير شفافة، حيث تم تمويل مشاريع بمليارات الدولارات دون تحقيق العوائد المرجوة.
أموال مهربة وفرص ضائعة
ساهمت عمليات تهريب الأموال والذهب إلى الخارج في استنزاف احتياطات النقد الأجنبي، ما أدى إلى مزيد من الضغط على العملة الوطنية. كما حُرم السودان من فرص إعفاء الديون والاستفادة من برامج الدعم الدولي، نتيجة إدراجه في قوائم الإرهاب وتراجع تصنيفه في المؤشرات العالمية.
هل يمكن استرداد الأموال؟
في ما يتعلق بإمكانية استرداد الأموال المهربة، يشير الخبير القانوني أيوب عبدالله إلى أن الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، توفر إطاراً قانونياً يمكن أن يساعد في تتبع هذه الأموال واستعادتها. ويؤكد أن وجود حكومة فعالة ومؤسسات قانونية مستقلة يمثل شرطاً أساسياً لتفعيل هذه الآليات، واستعادة جزء من الموارد التي فقدها السودان خلال العقود الماضية.
إرث ثقيل
تكشف هذه المؤشرات مجتمعة عن حجم التحديات التي يواجهها السودان اليوم، حيث لا يقتصر الأمر على معالجة آثار الحرب الراهنة، بل يمتد إلى تفكيك إرث اقتصادي وسياسي معقد تراكم على مدى ثلاثة عقود. وبين خسائر مباشرة في الموارد، وأخرى غير مباشرة في الفرص الضائعة، يبقى السؤال المطروح: هل يستطيع السودان تجاوز هذا الإرث الثقيل وبناء اقتصاد أكثر شفافية واستدامة في المستقبل؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.