بينما كانت شعارات «هي لله لا للسلطة ولا للجاه» تملأ الآفاق في تسعينيات القرن الماضي، كانت هناك طبقة سياسية تتشكل في الخفاء، تُحول مؤسسات الدولة السودانية إلى “إقطاعيات عائلية” وتنظيمية. واليوم، ومع تصاعد الأصوات الكاشفة لجرائم نظام “الكيزان”، تبرز تساؤلات جوهرية حول حقيقة ذلك المشروع الذي رُوِّج له كنهضة حضارية، بينما يراه كثيرون أكبر عملية سطو منظم على مقدرات شعب في تاريخ أفريقيا الحديث.
إن الفساد في عهد تنظيم الإخوان المسلمين بالسودان لم يكن مجرد انحرافات فردية عابرة، بل كان فساداً هيكلياً ممنهجاً.
وتشير الوثائق التي كشفت عنها “لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو” إلى أن التنظيم استحدث نظاماً موازياً للدولة، نجح من خلاله في نهب أموال الزكاة والحج، وتحويل المؤسسات ذات الطابع الروحي إلى مصادر تمويل لعملياته السياسية والأمنية. كما شمل ذلك خصخصة الموارد السيادية وبيع أصول الدولة التاريخية، مثل مشروع الجزيرة والخطوط الجوية السودانية والسكك الحديدية، بأسعار رمزية لشركات واجهة تتبع لقيادات الحزب، في حين أُديرت عائدات الذهب والبترول عبر قنوات سرية لتمويل “كتائب الظل” وبناء استثمارات ضخمة في عواصم خارجية.
وعقب الإطاحة بنظام الإسلاميين وعزل المخلوع البشير، جاءت معركة «لجنة التفكيك» كواحدة من أهم المحطات التي كشفت المستور. إذ يؤكد القيادي في اللجنة، صلاح مناع، أن استهداف اللجنة من قبل «الكيزان» لم يكن قانونياً، بل كان معركة وجودية، لأنها نجحت في وضع يدها على إمبراطوريات مالية وعقارية، وكشفت حجم الدجل باسم الدين بالأدلة والبراهين، وأثبتت أنه مشروع قادته فئة ضالة من أجل السلطة والمال.
إلا أن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر أعاد قادة النظام السابق إلى واجهة النفوذ، وصدرت بموجبه قرارات قضائية يصفها مراقبون بالمسيّسة لإعادة الأموال المنهوبة لأصحابها، في ما اعتُبر شرعنة للفساد تحت حماية السلاح.
ويرسم الناشط الحقوقي هشام عباس، المتخصص في تتبع قضايا الفساد، صورة قاتمة لهذا الواقع، واصفاً إياه بـ”السرطان” الذي دمر الأخلاق السياسية السودانية، حيث أصبح الطريق إلى الثروة والسلطة يمر عبر حمل السلاح وتكوين المليشيات الخاصة، وفرض الولاء التنظيمي، واستبدال الكفاءات بأهل الثقة من الجهلة والفاسدين، وصولاً إلى تغييب القانون وتحويل مؤسسات الدولة الدفاعية والأمنية إلى أدوات لحماية المصالح الضيقة، مما حوّل السودان من دولة مؤسسات إلى ما يشبه “وكر المليشيات”.
وتشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن الإخوان المسلمين ما زالوا يسيطرون على مفاصل حيوية في الاقتصاد السوداني عبر “اقتصاد موازٍ” يمول الأنشطة المسلحة ويضمن استمرارية الفوضى، وهو ما يُنظر إليه كمحرّك رئيسي للأزمات المعيشية، من خلال التلاعب بأسعار الصرف واحتكار السلع الأساسية، بما يعرقل أي محاولة للتحول المدني الديمقراطي.
لا تبدو أزمة البلاد الاقتصادية مجرد نتاج حرب أو اضطراب سياسي عابر، بل انعكاساً مباشراً لبنية تمكين عميقة جرى تأسيسها على مدى عقود باسم الدين والتمكين التنظيمي.
ومع استمرار غياب المحاسبة الفعلية، يظل خطر إعادة إنتاج هذه المنظومة قائماً، ما لم تُستكمل عملية التفكيك على أسس قانونية شفافة، تُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة كمؤسسة عامة لا كغنيمة، وتؤسس لاقتصاد وطني قائم على العدالة والكفاءة، لا الولاء والهيمنة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.