فساد نظام “الكيزان” في السودان من خط هيثرو إلى مصنع ألبان بابنوسة… كيف تم تفكيك الدولة وبيع أصولها

تقرير: عين الحقيقة

على امتداد ثلاثة عقود، تشكّل نظام “الجبهة القومية الإسلامية” المعروف محلياً بـ”الكيزان” كنموذج صارخ لدولة تُدار بعقلية التنظيم المغلق لا بعقلية المؤسسات. لم يكن الأمر مجرد سوء إدارة أو إخفاقات عابرة، بل مشروع متكامل لتفكيك الدولة السودانية وإعادة تشكيلها بما يخدم شبكة مصالح ضيقة، عبر بيع الأصول العامة وتدمير القطاعات الإنتاجية الحيوية. في هذا السياق، تبرز قضيتان كدليلين واضحين على هذا النمط من الفساد الممنهج: بيع خط هيثرو الجوي، وتدمير مصنع ألبان بابنوسة، حيث تتقاطع فيهما ملامح النهب المنظم وتبديد الموارد الوطنية.

في عام 2008، وخلال فترة خصخصة مشبوهة لشركة الخطوط الجوية السودانية، كانت شركة “عارف” الكويتية وشريكها المحلي “الفيحاء” تسيطران على 70% من أسهم “سودانير”

خط هيثرو… حين بيعت السيادة الجوية

تُوصف قضية «خط هيثرو» بأنها واحدة من أكبر فضائح الفساد في تاريخ قطاع الطيران السوداني، إذ جرى التفريط في أحد أهم الأصول السيادية للبلاد: حق الهبوط والإقلاع في مطار هيثرو الدولي بلندن، وهو امتياز نادر وعالي القيمة لا يُمنح بسهولة، وتتنافس عليه كبرى شركات الطيران عالمياً.

في عام 2008، وخلال عملية خصخصة مثيرة للجدل لشركة الخطوط الجوية السودانية، استحوذت شركة “عارف” الكويتية، بالشراكة مع شركة “الفيحاء” المحلية، على نحو 70% من أسهم «سودانير»، في صفقة لم تتجاوز قيمتها 98 مليون دولار، رغم أن تقديرات غير رسمية أشارت إلى أن أصول الشركة كانت تتجاوز مليار دولار. وفي خضم هذه العملية، تم بيع خط هيثرو لصالح شركة “بريتش ميدلاند” البريطانية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، خاصة أنها تمت- بحسب تقارير رقابية وإعلامية- دون علم مجلس إدارة «سودانير»، وفي مخالفة واضحة للإجراءات المؤسسية.

وأشارت تقارير ديوان المراجعة القومي، إلى جانب إفادات برلمانية لاحقة، إلى اختفاء جزء من عائدات الصفقة، بينها دفعة أولى قُدرت بنحو 5 ملايين دولار لم تُورّد إلى حسابات الدولة. كما ظلت القيمة الحقيقية للصفقة محل تضارب كبير، إذ تراوحت التقديرات بين عشرات الملايين ومئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية. وفي عام 2013، شُكّلت لجنة تحقيق رسمية، غير أن تقريرها لم يُنشر للرأي العام، قبل أن يُعاد فتح الملف عقب سقوط النظام في 2019 ضمن ملفات لجنة إزالة التمكين، دون الوصول إلى نتائج حاسمة حتى الآن. وتكشف هذه القضية عن نمط متكرر من إدارة الأصول العامة خارج الأطر المؤسسية، وغياب الشفافية، وتحويل العائدات عبر قنوات غير رسمية، في واحدة من أبرز صور «خصخصة الدولة» لصالح شبكات النفوذ.

مصنع بابنوسة… اغتيال مشروع تنموي

على الجانب الآخر، في ولاية غرب كردفان، تمثل قصة مصنع ألبان بابنوسة نموذجاً مغايراً في الشكل، لكنه متطابق في الجوهر، إذ يعكس تدمير الصناعة الوطنية وتهميش الأقاليم المنتجة. تأسس المصنع عام 1960 بدعم من الاتحاد السوفيتي، وافتُتح رسمياً في 1962، ليُعد من أوائل مصانع الحليب المجفف في أفريقيا والشرق الأوسط. وقد مثّل المشروع ركيزة اقتصادية واجتماعية مهمة، إذ أسهم في دعم آلاف الأسر، ووفّر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وربط النشاط الرعوي بالإنتاج الصناعي. غير أن المصنع دخل منذ منتصف التسعينيات في مرحلة تدهور تدريجي، تحت مبررات تتعلق بـ”عدم الجدوى الاقتصادية”، في وقت تشير فيه تقارير اقتصادية إلى أن المشكلة لم تكن في الجدوى بقدر ما كانت في سوء الإدارة وغياب الإرادة السياسية لتطوير القطاع الإنتاجي.

توقفت عمليات الإنتاج تدريجياً، وتدهورت البنية التحتية بسبب غياب الصيانة وقطع التمويل، حتى خرج المصنع عن الخدمة بالكامل بعد سنوات طويلة من الإهمال. كما أفادت تقارير محلية بأن أجزاء من المصنع جرى تفكيكها وبيعها كخردة بأسعار زهيدة، في ظل غياب الرقابة والمساءلة.

وفي تطور لاحق، تم تحويل موقع المصنع إلى منشأة عسكرية تتبع للفرقة 22 مشاة، ما أنهى عملياً أي أمل في إعادة تشغيله، وحوّله من مشروع تنموي إلى موقع ذي طابع أمني في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية. وتعكس هذه الحالة سياسة أوسع اتُّبعت خلال سنوات الحكم، قامت على إضعاف المشاريع الإنتاجية في الأطراف، مقابل تعزيز اقتصاد ريعي وطفيلي يتمركز في المركز، ويخضع لشبكات الولاء السياسي.

فساد في البنية لا في التفاصيل

ما بين خط هيثرو ومصنع بابنوسة، تتضح ملامح نمط متكامل من الفساد، يقوم على تحويل الأصول العامة إلى ملكيات خاصة، وتفكيك مؤسسات الدولة الإنتاجية، وإعادة توزيع الثروة لصالح فئة محدودة. لم تكن هذه الممارسات حالات معزولة أو أخطاء فردية، بل جزءاً من بنية حكم اعتمدت على التمكين الاقتصادي والسياسي، وأدى في نهاية المطاف إلى إضعاف الدولة وتقويض قدراتها الإنتاجية.

واليوم، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في السودان، تبدو آثار تلك السياسات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ إذ لا تقتصر الخسائر على الجوانب المالية، بل تمتد إلى ضياع فرص تنموية وحقوق سيادية يصعب تعويضها. وفي ظل هذه الوقائع، يظل ملف الفساد الاقتصادي أحد أبرز تحديات المرحلة الانتقالية، ومدخلاً أساسياً لأي مشروع للعدالة والمحاسبة، باعتباره مفتاحاً لفهم ما جرى، واستعادة ما يمكن استعادته من مقدرات الدولة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.