منذ فجر الثلاثين من يونيو 1989، لم يكن ما جرى في السودان مجرد انقلاب عسكري عابر، بل بداية مشروع طويل لإعادة تشكيل الدولة على مقاس تنظيم واحد. لم تكن الغاية إدارة البلاد ببرنامج سياسي قابل للمنافسة، بل السيطرة الكاملة على مفاصلها، وتحويلها إلى كيان مغلق تُدار موارده وقراراته من داخل دوائر ضيقة لا تخضع للمساءلة.
ما حدث لم يكن فساداً تقليدياً يمكن احتواؤه أو إصلاحه، بل عملية اختطاف ممنهجة للدولة، حيث جرى تفكيك المؤسسات وإعادة تركيبها وفق منطق الولاء، لا الكفاءة. أصبحت الدولة نفسها أداة في يد التنظيم، لا إطاراً جامعاً لكل السودانيين.
أولى خطوات هذا المشروع كانت السيطرة على أدوات العنف. تم إقصاء قيادات عسكرية مهنية، واستبدالها بعناصر موالية تنظيمياً، ليُعاد تشكيل المؤسسة العسكرية وفق عقيدة أيديولوجية لا وطنية. لم يعد الولاء للدولة، بل للتنظيم.
في موازاة ذلك، جرى بناء منظومات أمنية موازية، تعمل خارج الأطر القانونية، لكنها أكثر تأثيراً. كيانات شبه عسكرية وواجهات مسلحة أُنشئت لضمان بقاء السلطة داخل نفس الدائرة، ولمنع أي احتمال لتمرد داخلي أو انتقال سلمي للحكم. وهكذا، لم تعد القوة حكراً على الدولة، بل أصبحت موزعة داخل شبكة تديرها جهة واحدة.
لكن السيطرة على السلاح لم تكن كافية. أدركت الحركة الإسلامية مبكراً أن مفاتيح الحكم الحقيقية تمر عبر الاقتصاد. فبدأت عملية منظمة لإعادة توزيع الثروة، ليس لصالح الدولة، بل لصالح التنظيم.
تمت خصخصة مؤسسات عامة بطرق ملتوية، وأُقصي منافسون من السوق عبر أدوات الضغط الأمني والضريبي. وفي المقابل، نشأت شبكة شركات وواجهات اقتصادية، تدير قطاعات حيوية من النفط إلى الذهب، ومن الزراعة إلى الخدمات، خارج أي رقابة حقيقية.
ليتحول اقتصاد الدولة، إلى اقتصاد تنظيم. شبكة مغلقة، تتحكم في الموارد وتعيد توزيعها داخلياً، بينما يُترك الاقتصاد الرسمي في حالة تدهور مستمر. وهكذا، تحولت البلاد إلى ما يشبه “ضيعة خاصة”، تُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق التنمية. ولأن السيطرة بالقوة والمال لا تكفي لضمان الاستمرار، كان لا بد من غطاء أيديولوجي. هنا جاء توظيف الدين، لا كقيمة روحية، بل كأداة سياسية.
رُوّج لمشروع “حضاري” يرفع شعارات دينية، بينما كانت الممارسة على الأرض تعكس واقعاً مختلفاً تماماً. خُدِع كثيرون بخطاب يربط بين الولاء للتنظيم والالتزام الديني، في حين كانت الثروة تتراكم داخل دائرة ضيقة، ويتسع الفقر خارجها. تحول الدين إلى وسيلة لتسكين الأسئلة، لا لإثارتها. وسيلة لإضفاء الشرعية على واقع غير عادل، لا لتغييره. وهنا تكمن المفارقة: باسم الأخلاق، تم تأسيس واحدة من أكثر المنظومات فساداً في تاريخ السودان.
المشكلة الأساسية أن هذا النموذج لا يمكن أن يتعايش مع دولة شفافة. لا يمكنه البقاء في بيئة ديمقراطية، حيث المحاسبة والمنافسة. هو مشروع يقوم على الإغلاق: إغلاق السياسة، وإغلاق الاقتصاد، وحتى إغلاق الوعي. لهذا، فإن أي حديث عن دولة مدنية يمثل تهديداً وجودياً له. وأي محاولة لإيقاف الحرب تُقابَل بالرفض، لأن السلام يعني فتح الملفات، وعودة الدولة إلى أصحابها الحقيقيين.
الكيزان لا يخشون السقوط العسكري بقدر ما يخشون السقوط الأخلاقي أمام شعب استعاد وعيه. لأن لحظة الحقيقة، في النهاية، ليست في ميدان المعركة… بل في لحظة استرداد الدولة من قبضة من اختطفوها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.