ثمن بخس!!

أطياف - صباح محمد الحسن

(لماذا لم يعتبر الحزب الشيوعي مشاركة أمجد فريد في حكومة البرهان واحدة من نوافذ “البيع المباشر” لدم شهداء ثورة ديسمبر المجيدة، ألا يُعدّ وجوده داخل منظومة البرهان ضربة في عمق هذا الخطاب، سيما أن البرهان بعد الحرب أصبح في نسخته الأسوأ!!)
طيف أول:
إن لم تكن متأهبًا للثبات، لا تُصِغْ للفكرة معادلة، حتى لا تكون أحد طرفيها الذي يهزم قيمتها الخالدة، فربما ظنّت أنها لن تموت!
والمؤسف أن شعار “بكم بكم قحاتة باعوا الدم” خرج من قلب المواكب ليتم تلقينه لفلول النظام البائد، التي كانت تنظر إلى الذين يضربون ظهر رفاقهم في الميدان نظرة شماتة. وكان هذا الشعار يُستغل في كل موكب، وكنا شهودًا في عدد من المواكب، سيما التي كانت تخرج احتجاجًا أو مطالبة أمام مجلس الوزراء إبان حكومة حمدوك لتقديم مذكرات بعينها. فكان هناك من يحوّل الهتاف إلى تحقيق أجندته الضيقة والخاصة، ويهتف بهذا الشعار البغيض. وكنت دائمًا أتحدث مع الزملاء أن استغلال المواكب لصالح فئة أو حزب هو من أسوأ أنواع السلوك الثوري الذي كنت أشاهده في الميدان، لأنه عصا يضرب بها الثائر جسد الثورة دون أن يدري، فهي تهدد قوة الخطاب الثوري ، وتعمل على شق الصف ، وتضرب جدار الثقة بين الثوار. وهذه كانت أكثر الطرق التي يستغلها الكيزان لإضعاف المواكب.
و استخدم الحزب الشيوعي وقياداته هذا الهتاف في تصفية حساباتهم مع الأحزاب الأخرى، وظلت المنابر تعج بهذه الاتهامات كلغة تخوين درجوا عليها لقلب الطاولة في مساحات الجدل السياسي. وظلوا يتحدثون عن أنهم رفضوا شراكة العساكر، بالرغم من أن الحزب شارك في التفاوض منذ بداياته بواسطة رئيس الحزب شخصيًا، وشارك في الاعتماد النهائي للوثيقة الدستورية بواسطة الراحل الاستاذ كمال الجزولي ، وشارك أيضًا في التوقيع عبر أحمد الربيع
والغريب أنه مع ذلك لم يشارك في لجنة تفكيك نظام الإخوان، ولم تطله أيادي الاعتقالات بعد الانقلاب وبعد الحرب. وبالأمس شنّ بعض المنتمين للحزب هجومًا لاذعًا على عودة لجنة التفكيك، بالرغم من أنهم لم يهاجموا قرارات أبو سبيحة عندما استعادت محكمته الأموال المنهوبة للكيزان من خزينة الشعب، واستردت المحكمة المدعومة من حكومة الانقلاب كل أراضي وأموال علي كرتي. ولم يحتج الحزب على قرارات أبو سبيحة، ولم يصدر بيانًا يناهِض جميع قرارات الانقلاب ضد حكومة الثورة، لكنه هاجم عودة لجنة التفكيك.
وبما أن الحزب يرى أن قوى الحرية والتغيير شاركت العسكريين في الحكم، وبهذا تكون قد باعت الدم، إذن كيف ينظر الحزب لقرار البرهان القاضي بتعيين أمجد فريد الطيب مستشارًا له للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، في حكومة اعترف بها الحزب من قبل بدليل أنه قدّم لها مطالبه في نهر النيل، في اعتراف رسمي بوجودها، بالرغم من أنها حكومة انقلاب أطاحت بحكومة الثورة!!
ومن هنا يحق لنا السؤال: لماذا لم يعتبر الحزب الشيوعي مشاركة أمجد فريد في حكومة البرهان واحدة من نوافذ البيع المباشر لدم شهداء ثورة ديسمبر المجيدة؟
ألا يُعدّ وجوده داخل منظومة البرهان ضربة في عمق هذا الخطاب، سيما أن البرهان بعد الحرب أصبح في نسخته الأسوأ، لأنه في السابق كان مسؤولًا عن دماء شهداء ثورة ديسمبر، واليوم الجنرال مسؤول عن قتل آلاف السودانيين؟
وأمجد فريد كان من أكثر الأصوات التي توجه نقدًا لاذعًا لزملائه ويتهمهم بالخيانة، لذلك من الطبيعي أن يكون السؤال هو مفتاح فهم التناقض.
فهذا ليس مجرد اختلاف سياسي، بل تحوّل “جذري” في المواقف. لماذا؟ لأن القضية لم تعد في من باع الدم ومن اشتراه، بل في أن أمجد فريد الآن وضع يده مع من سفك دماء الشهداء، ويشغل منصبًا داخل منظومة يقودها جنرال قاتل للثوار. حتى إن فريد وبعض قيادات الحزب الشيوعي كانوا يعتبرون مجرد الجلوس مع البرهان خيانة للثورة، فماذا يعني الآن الإيمان الكامل بالبرهان وعقليته الإجرامية
ومنذ تاريخ تعيين فريد مستشارًا لهذه العقلية، فإن كل ما يرتكبه البرهان من حماقات مستقبلًا، سياسية أو عسكرية، يكون أمجد فريد شريكًا فيها بالاستشارة. فخطورة المنصب أن فريد ليس مستشارًا لرئيس الوزراء، إنما لقائد حرب تُزهق فيها يوميًا أرواح مواطنين أبرياء يكون مسؤولًا عنها أمام الله. فالبرهان ظالم، وكل من ركن إليه يشاركه الظلم والخطيئة. والمنصب بلا قيمة، فعن أي مشورة خارجية ودبلوماسية سيشاور الجنرال فريد في ظل هذه العتمة الدولية التي تخيم على البرهان و يخشى حتى رفع صوته بالقرار!!
فهل سيكون فريد دبلوماسيًا خارجيًا لحكومة علي كرتي وكِبّر أم لأحمد هارون؟ فهؤلاء لا يعترفون بالبرهان ويرونه بلا قيمة. وهل طرق أمجد فريد قبل تعيينه أبواب حمدوك وحكومته من ولم يجد القبول!!
والبرهان في نظر فريد سابقًا كان مجرمًا، والشراكة معه شراكة دم، واليوم ضرورة المصلحة والمنصب تحوّل الدماء إلى ماء. وهذا ما يجعل التناقض يبدو أخلاقيًا أكثر من كونه سياسيًا. وفريد الذي كان يستخدم خطابًا ثوريًا متشددًا لفرض نفوذ سياسي، غيّر موقفه ليضمن موقعه.
وبهذا يؤكد كذبة أكثر الخطابات تشددًا: “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية”. والآن تفاوض أمجد مع البرهان تفاوضًا أنانيًا، لأنه لم يتم لأجل الشعب، وإنما لأجله ولمصالحه الشخصية، وشارك البرهان في الحكم والرأي والمشورة، ومنحه الشرعية التي كان يتحدث عن ضرورة نزعها من قبل!
وهذا يعني انقلابًا على الذات الثورية قبل أن يكون انقلابًا على المواقف.
وهو ما يجعل الباب مشرعًا أمام إعادة تقييم مفهوم “المبدئية” في السياسة السودانية، وإعادة النظر في أي خطاب يقوم على التخوين أو الطهرانية السياسية.
إذن بكم بكم “الزملاء” باعوا الدم بمنصب “فاضي” وثمن بخس!!
طيف أخير:
كل عام والشعب السوداني بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك. أعاده الله على السودان بالأمن والسلام والاستقرار.
يحتجب أطياف في عطلة العيد على أن يعاود بعدها بإذن الله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.