الشرفاء تُستَخدم ضدهم العدالة للانتقام: قضية الناظر مأمون هباني والامتحان الأخلاقي

حسن عبد الرضي

في البلاد التي اختلّت فيها الموازين، وصار الشريف يُلاحَق، والوضيع يُكرَّم، لا تعود القضايا مجرد ملفات قانونية، بل تصبح مرآةً لزمنٍ مكسور.
وقضية الناظر مأمون إدريس هباني ليست نزاعًا حول عربة، ولا خصومةً عابرة بين أطراف متشاكسين؛ إنها اختبار فاضح لضمير الدولة، وكاشفٌ لمدى انحدار مؤسسات يفترض أنها حارسة للعدل، فإذا بها تتحول إلى أدوات للتشفي وتصفية الحسابات.
الناظر مأمون هباني، بحسب الرواية المتداولة من أهل منطقته ومن عايشوا الأحداث، حين فر المسؤلون عن حمياة العزل، لم يكن رجلًا هاربًا من مسؤوليته، ولا متخفّيًا خلف الناس ساعة الخطر.
كان في قلب المشهد، يفاوض، ينصح، يحاول أن يجنّب أهله ويلات الدم والانتهاك، ويضع نفسه في موضع الخطر من أجل أن تمرّ العاصفة بأقل الخسائر.
هذه ليست بطولة تُصطنع في البيانات، بل موقف إنساني يُكتب في ذاكرة المجتمعات حين تنهار المؤسسات.
لقد وقف الرجل، وهو يقترب من الثمانين، حيث فرّ غيره، وثبت حيث ارتجف آخرون، وتحمل ما لا يتحمله إلا من يشعر أن الزعامة ليست لقبًا اجتماعيًا، بل تكليف أخلاقي.
وهذا ما جعل أهل منطقته يحفظون له مكانته، لا بقرار حكومي، بل بشهادة الناس، وهي الشهادة التي لا تُشترى ولا تُزوَّر.
لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين تتحول الدولة إلى خصم، لا حكم.
حين تُفتح البلاغات الكيدية، وتُلبس الخصومات الشخصية ثوب العدالة، وتُستخدم أجهزة يفترض أنها وطنية في مطاردة رجلٍ يشهد له مجتمعه بالنبل والنجدة.
هنا تسقط هيبة السلطة، لأن الهيبة لا تقوم على البطش، بل على الإنصاف.
أما الذين يقدَّمون انفسهم باعتبارهم رأس الدولة، فإن مثل هذه القضايا تكشف حجم تناقضهم بين الشعارات والممارسة.
فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من الابتزاز، ثم تسمح بتحويل العدالة إلى مسرح لتصفية الأحقاد، ليست دولةً تحكم، بل سلطة تدير الفوضى.
والأخطر من ذلك أن السكوت عن هذه الملابسات يضع علامات استفهام ضخمة حول دور النيابة العامة.
فالنائب العام ليس شاهدًا محايدًا على العبث، بل مسؤول عن صيانة ميزان العدالة.
وإذا كان الملف يحمل شبهة كيدية، وضغوطًا، وابتزازًا، وتجاوزًا للإجراءات، فإن الصمت هنا ليس حيادًا، بل تواطؤ بالصمت.
إن القضية ليست في شخص الناظر مأمون وحده، بل في الرسالة التي تُبعث إلى المجتمع: أن من يثبت مع أهله ساعة المحنة قد يجد نفسه في قفص الاتهام، بينما يُترك أصحاب النفوذ يعبثون بالمؤسسات كما يشاؤون.
وهذه رسالة مدمرة لأي نسيج اجتماعي.
ما يُفاخر به الناس في الناظر مأمون هباني ليس نسبه ولا مكانته القبلية، بل شجاعته الإنسانية؛ أن يقدّم الأرواح على المصالح، وأن يضع كرامة الناس فوق حساباته الشخصية.
وهذه قيمة نادرة في زمن صار فيه كثير من القادة يختبئون خلف المكاتب والرتب والخطابات.
أما الذين يستخدمون السلطة والأجهزة الأمنية لتصفية الحسابات، فهم وإن امتلكوا النفوذ المؤقت، فإنهم يفتقدون الشيء الأهم: الاحترام.
والاحترام لا تمنحه المناصب، بل تمنحه المواقف.
في النهاية، قد تُكتب الأحكام في المحاكم، لكن التاريخ يكتب أحكامه في وجدان الشعوب.
وهناك فرقٌ شاسع بين من يدخل صفحات التاريخ مرفوع الرأس، لأنه حمى الناس في ساعة العسرة، وبين من يُذكر بوصفه جزءًا من آلة الظلم، مهما حمل من ألقاب ورتب.
وقضية الناظر مأمون هباني ستبقى، في جوهرها، سؤالًا مفتوحًا: هل ما زال في هذه البلاد من يسمع لصوت العدالة قبل أن يُبتلع آخر ما تبقى من الثقة بين الناس والدولة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.