في مدينة الجنينة، كبرى مدن ولاية غرب دارفور، لا يأتي عيد الفطر كما عرفه الناس، بل يحلّ مثقلاً بذكريات الفقد ووجع الفراق، وندوبٍ لم تندمل بعد.
هنا، حيث أنهكت الحروب النسيج الاجتماعي، لا تزال آثار العنف حاضرة في كل بيت، وفي وجوه الأرامل، وعيون الأيتام، وأجساد من أنهكتهم الإعاقة.
مع أولى ساعات الصباح، كان يُفترض أن تعلو تكبيرات العيد في الساحات، وأن تمتد صفوف المصلين في مشهد يعكس وحدة المجتمع وفرحته، غير أن الخوف كان الحاضر الأبرز.
شائعات عن احتمال استهداف المصلين بطائرات مسيّرة دفعت كثيرين إلى تجنب الساحات العامة، مفضلين أداء الصلاة داخل المساجد القريبة، في مشهد يجسد حجم القلق الذي يخيّم على المدينة.
ورغم ذلك، لم يخلُ الصباح من مظاهر صادمة؛ إذ دوّت أصوات إطلاق الرصاص من أسلحة خفيفة وثقيلة مع شروق الشمس، في تقليد يُستخدم لاستقبال العيد، لكنه بدا هنا أقرب إلى استعراض قوة، أو تذكير قاسٍ بأن الحرب لم تغادر المكان.
في الطرقات، يتبادل الناس التهاني بوجوه يكسوها الحزن. العناق حاضر، لكن الدموع تسبق الكلمات. كثيرون فقدوا أحبة، وآخرون يعيشون على أمل عودتهم، فيما تتجدد في هذا اليوم مشاعر الفقد بصورة أكثر قسوة.
أما آلاف الأسر النازحة، التي فرت من ولايات أخرى هربًا من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، فتعيش عيدًا مختلفًا تمامًا؛ فلا بيوت تحتضنهم كما في السابق، ولا طقوس مألوفة تجمعهم. يستعيدون ذكريات أعياد مضت كانت عامرة بالزيارات والفرح، ويقارنونها بواقع النزوح القاسي، حيث المأوى المؤقت وضيق الحال ومرارة الغربة داخل الوطن.
الأطفال، الذين يُفترض أن يكونوا الأكثر فرحًا بالعيد، لم يسلموا من تأثيرات الحرب. ألعابهم لم تعد دمى أو كرات، بل مسدسات وبنادق بلاستيكية تصدر أصوات إطلاق نار، في انعكاس واضح لثقافة قتالية تسللت إلى براءتهم. ضحكاتهم تختلط بأصوات “البارود” المقلّد، في مشهد يختصر التحول العميق الذي أصاب الطفولة في هذه المدينة.
ورغم كل ذلك، يتمسك السكان ببقايا الأمل؛ يتزاورون، ويوزعون ما تيسر من الحلوى، ويحافظون على تقاليد العيد قدر استطاعتهم، في شكل من أشكال المقاومة الصامتة للواقع.
في الجنينة، لم يعد العيد مجرد مناسبة للفرح، بل صار مرآة تعكس حجم الخسارات التي خلفتها الحروب. عيدٌ بطعم الحزن، تتجدد فيه الآلام بقدر ما تتجدد الذكريات، لكن الأمل يظل قائمًا بأن يأتي يوم يعود فيه العيد كما كان… فرحًا خالصًا بلا خوف.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.