السعودية والسودان: هل تتسع السياسة لازدواجية المعايير؟

سيف الدولة كمال

في خضم الحرب السودانية، تتزايد الأسئلة حول أدوار القوى الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي تجمع بين موقع الوسيط في بعض المبادرات الدبلوماسية، وعلاقاتها مع القيادة العسكرية في السودان. هذا التداخل يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود البراغماتية السياسية، وما إذا كانت تتحول أحيانًا إلى ازدواجية في المعايير.

من جهة، شاركت الرياض في جهود دولية لوقف إطلاق النار، واستضافت جولات تفاوض، وقدّمت مساعدات إنسانية. ومن جهة أخرى، يشير منتقدون إلى أن استمرار العلاقات السياسية مع أطراف متهمة بارتكاب انتهاكات يثير تساؤلات حول اتساق الخطاب مع الممارسة. فكيف يمكن الجمع بين دعم مسار السلام، والحفاظ على تحالفات مع فاعلين في قلب الصراع؟

المدافعون عن هذا النهج يرون أن السياسة الخارجية تُبنى على موازنة المصالح، وأن الانخراط مع جميع الأطراف—بمن فيهم الفاعلون العسكريون—قد يكون شرطًا لفتح قنوات التأثير واحتواء التصعيد. في المقابل، يحذّر منتقدون من أن هذا الانخراط قد يُفسَّر كمنح شرعية ضمنية، أو تقليل من كلفة الانتهاكات، ما يضعف الرسائل المتعلقة بالمحاسبة وحقوق الإنسان.

المسألة لا تتعلق بالسعودية وحدها، بل تعكس معضلة أوسع في النظام الدولي: كيف تتعامل الدول مع أزمات معقّدة دون أن تتناقض مبادئها مع مصالحها؟ في الحالة السودانية، تبدو الإجابة أكثر إلحاحًا، لأن كلفة الحرب تُقاس يوميًا بحياة المدنيين وانهيار الخدمات الأساسية.

ما يحتاجه السودانيون اليوم ليس فقط وساطات دبلوماسية، بل مقاربة متماسكة تربط بين الضغط لوقف القتال، ودعم المساءلة، وحماية المدنيين، بما في ذلك المنشآت الطبية. الاتساق هنا ليس ترفًا أخلاقيًا، بل أداة فعّالة لبناء الثقة في أي مسار سياسي.

في النهاية، ستُقاس أدوار الفاعلين الإقليميين—ومنهم السعودية—بمدى قدرتهم على المساهمة في إنهاء الحرب لا إدارتها، وعلى دفع الأطراف نحو تسوية تحترم حياة السودانيين وحقوقهم. وبين ضرورات السياسة ومطالب الأخلاق، يبقى التحدي قائمًا: هل يمكن تحقيق السلام دون الوقوع في فخ ازدواجية المعايير؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.