(هي توسيع لدائرة الأزمة وإشراك أطراف خارجية فيها، في الوقت الذي قتلت فيه المسيّرات أسرًا كاملة في قرية الجزيرة، فبدلًا من أن تحدّثنا الحكومة عن فشلها في حماية المدنيين بولاية الجزيرة، أليست الأرواح أهم من المطار؟)
طيف أول :
الوطن حين يسألك، قل له بيننا من جذوعٍ مرصوصة بعناية، كي لا يتسرّب الماء إلى الخوف قبل الجوف !!
ولا شك أن غياب الأدلة العلنية في اتهام إثيوبيا يوحي بأن البرهان يتصرف تحت ضغط داخلي وخارجي كبير، ينتج عنه حالة التخبط التي يشهدها الخطاب العسكري، وكأنه محاولة لتحويل الأنظار إلى “عدو خارجي” لتبرير الفشل العسكري والسياسي.
والميدان الذي أصبحت تتحكم فيه الطائرات المسيّرة يكشف بلا شك عن حالة عجز كبيرة في قدرة الطرفين على حسم المعركة عسكريًا، إذ أصبحت المسيّرات الطائشة الأداة الأبرز في ميدان الصراع، مع توسع نطاق الهجمات لتشمل مدنًا مثل الخرطوم وأم درمان، وهو ما يعني أن ناتج الحرب من حاصل الضرب والطرح هو “صفر كبير”.
وتتعدد الاتهامات للدول الإقليمية، تارة للإمارات ومرة لإثيوبيا، يعكس ارتباكًا في تحديد مصدر الضربات، ما يضعف مصداقية الخطاب الرسمي، الذي يتحول إلى رسالة داخلية هدفها تصوير الأزمة كعدوان خارجي، لا مجرد صراع داخلي مع الدعم السريع.
فالقيادة العسكرية تقصد من الاتهام المزدوج توسيع دائرة الأزمة وإشراك أطراف خارجية فيها، في الوقت الذي قتلت فيه المسيّرات أسرًا كاملة في قرية الجزيرة، فبدلًا من أن تحدّثنا الحكومة عن فشلها في حماية المدنيين بولاية الجزيرة، أليست الأرواح أهم من المطار الخالي؟
وجاءت الاتهامات بلا سند، لتزج بدول في الصراع، فردّت وزارة الخارجية الإثيوبية باتهامات مضادة ورفضت ما وصفتها بأنها “ادعاءات لا أساس لها”، واتهمت السودان بدعم “مرتزقة جبهة تحرير تيغراي” وتسهيل توغلات عبر الحدود الغربية لإثيوبيا.
فهل يدعم الجيش السوداني مرتزقة جبهة تحرير تيغراي؟
و ستخرج الحكومة وتحلف” قسم أنها لم تدعم تيغراي يومًا، وأن إثيوبيا لا تملك دليلًا على ذلك. إذن، بالمقابل، أين الدليل في اتهام الحكومة لإثيوبيا؟
إن الدولتين تتبادلان الاتهامات التي لا ترقى حتى لمستوى إثباتات دامغة يمكن أن تُقدَّم كأدلة قانونية أو عسكرية أمام المجتمع الدولي، وما يجري أقرب إلى مناوشة سياسية وإعلامية، إذ يستخدم كل طرف لغة الاتهام لتثبيت سرديته أمام الداخل والخارج.
وهذه الاتهامات لإثيوبيا لم تكن الأولى؛ ففي عام 2025، عندما زار قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) إثيوبيا، وكانت محطة مهمة إذ التقى رئيس الوزراء آبي أحمد في أديس أبابا يوم 22 يونيو 2025، وركزت المباحثات على تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي لمواجهة التهديدات الإرهابية في القرن الأفريقي، بعدها مباشرة اتهم الجيش السوداني إثيوبيا بأنها تقوم بتدريب قوات الدعم السريع وتوفر لها معسكرات على الحدود وتقدم لهم دعمًا لوجستيًا، لكن إثيوبيا تجاهلت هذه الاتهامات.
ولطالما أن الإمارات أصدرت قائمة الإرهابيين مؤخرًا، واستخدمت هذه القائمة والقضية الجنائية المرتبطة بها كـ”دليل قانوني” لتفنيد مزاعم الخرطوم بأنها طرف في الحرب، فهل تحاول الحكومة الرد عبر الإسلاميين بأن الإمارات وحليفتها إثيوبيا متورطتان في دعم خصومها؟
أم أن الخوف من اتخاذ إثيوبيا قاعدة عسكرية لأفريكوم عاد كخطر من جديد بدعم من الإمارات، التي فشلوا في التواصل معها بعدما رفعت سقف شروطها وأعلنت عن قائمة تجار السلاح، لذلك أرادت الحكومة أن تسبقها بهذه الاتهامات إلى منصة العدالة الدولية؟
إن ارتهان قرار الداخل كليًا لرغبة الخارج يعني أن الصراع الآني هو صراع بين المحاور الإقليمية، لا يحسمه البرهان، بل وجوده كقائد للجيش هو الضمان الوحيد لاستمرار هذا الصراع.
فغياب الأدلة يضعف مصداقيته أمام المجتمع الدولي، ويجعل الاتهام يبدو كخطاب انفعالي لا يستند إلى حقائق. وبما أن ردود الأطراف المتهمة جاءت نفيًا قاطعًا وبشدة، فهذا قد يجعل الحكومة في موقف دفاعي.
حتى أن هذه التصريحات العشوائية غير المستندة إلى الأدلة قد تكون لها مخاطر دبلوماسية، فالاتهامات الفضفاضة قد تعمّق عزلة السودان وتزيد من فقدان الثقة في خطابه الرسمي يومًا بعد يوم.
طيف أخير
أعلن بنك السودان المركزي عن تحديث ضوابط جديدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار السلاح، تضمنت أكثر من 60 إجراءً، في خطوة قال إنها تهدف إلى تعزيز الرقابة المصرفية ومواكبة المعايير المحلية والدولية.
فهل يعني هذا أن البنك، في آخر اجتماعاته الدولية مع البنك الدولي التي طلب فيها منحًا وإعفاءً للديون، اصطدم بمخالفة المعايير الدولية؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.