ليس كل اعتراف شجاعة، فبعضها يأتي متأخرًا إلى الحد الذي يفقد فيه معناه الأخلاقي والسياسي. ما صدر مؤخرًا عن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمام الأطباء، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق طويل من الإنكار، ولا عن سجل موثق من الانتهاكات التي طالت قطاعًا يفترض أنه محايد ومحصّن: القطاع الصحي.
الاعتراف لم يأتِ استباقًا للمساءلة، بل جاء بعد تراكم تقارير دولية وشهادات ميدانية وصور لا يمكن دحضها. ما قاله البرهان ليس روايات متنازع عليها، بل وقائع تكررت في أكثر من مدينة، وأثبتتها جهات متعددة. الحديث هنا عن أرقام صادمة: مقتل أكثر من 220 طبيبًا، تدمير واسع لمرافق صحية، وقصف مستشفيات، من بينها منشآت في مناطق مثل الضعين ونيالا والخرطوم وغيرها. هذه ليست أخطاء معزولة، بل نمط يستدعي التوقف والمساءلة.
استهداف البنية الصحية في أي نزاع مسلح يُعد خرقًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يضع حماية المرافق الطبية والعاملين فيها ضمن أولوياته القصوى. لذلك، فإن أي اعتراف بوقوع انتهاكات لا يمكن أن يُختزل في بُعده الخطابي، بل يجب أن يُترجم إلى إجراءات واضحة: تحقيقات مستقلة، شفافية في عرض النتائج، ومحاسبة حقيقية لكل من يثبت تورطه.
المشكلة لا تتوقف عند حدود الفعل العسكري، بل تمتد إلى الخطاب الذي يبرره أو يهوّن منه. حين تُقدَّم هذه الانتهاكات كـ”تجاوزات” أو “أضرار جانبية”، فإن ذلك يفتح الباب لتكرارها. وحين تُربط بمقاربات أيديولوجية أو صراعات على السلطة، يصبح المدنيون—ومنهم الأطباء—وقودًا لمعركة لا علاقة لهم بها.
السودان اليوم لا يحتاج إلى اعترافات متأخرة بقدر ما يحتاج إلى تغيير جذري في طريقة إدارة الصراع. حماية المستشفيات ليست مطلبًا إنسانيًا فحسب، بل شرط أساسي لبقاء المجتمع نفسه. فالدولة التي تُقصف فيها مرافق العلاج تفقد أحد أعمدتها الأساسية، وتدفع مواطنيها إلى الهشاشة القصوى.
ما بعد الاعتراف هو الاختبار الحقيقي: هل ستُفتح ملفات التحقيق؟ هل ستُحمى المنشآت الطبية فعليًا؟ أم أن الأمر سيتحول إلى محطة عابرة في خطاب سياسي سريع النسيان؟
الإجابة على هذه الأسئلة لا تهم الأطباء وحدهم، بل تهم كل سوداني يبحث عن معنى للعدالة في زمن الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.