في لحظة سياسية شديدة التعقيد، برزت الزيارة غير المعلنة التي قام بها رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان عبد الفتاح البرهان إلى الإمارات العربية المتحدة كحدث مفصلي قد تتجاوز تداعياته حدود التكتيك السياسي، لتلامس إعادة صياغة موازين القوة داخل السودان. فطبيعة الزيارة، وتوقيتها، والسرية التي أحاطت بها، كلها تعكس تحركًا محسوبًا في لحظة ضاغطة.
خلال الأيام العشرة الماضية، أدار البرهان جولة إقليمية شملت مصر والسعودية وسلطنة عمان، لكنها -وفق مصادر سياسية جرت خارج الإطار التنسيقي المعتاد مع دوائر الإسلاميين داخل الدولة..
خلال الأيام العشرة الماضية، أدار البرهان جولة إقليمية شملت مصر والسعودية وسلطنة عمان، لكنها -وفق مصادر سياسية جرت خارج الإطار التنسيقي المعتاد مع دوائر الإسلاميين داخل الدولة. هذه النقطة لفتت انتباه المراقبين، إذ تعكس تحولًا في إدارة الملفات الخارجية، وربما بداية تباعد مع مراكز نفوذ ظلت مؤثرة لسنوات. غير أن المحطة الأكثر إثارة كانت أبوظبي، حيث نُفذت الزيارة بترتيبات أمنية ولوجستية خاصة، شملت تغيير وسيلة النقل، وتقليص الطاقم، وحصر اللقاءات في نطاق ضيق. ويعكس هذا النمط بحسب تقديرات حساسية الملفات المطروحة، وطبيعة التفاهمات التي يُراد لها أن تتشكل بعيدًا عن الأعين.
وتفيد تسريبات متقاطعة بأن لقاءات البرهان في أبوظبي لم تكن بروتوكولية، بل ركزت على إعادة تعريف العلاقة مع أبوظبي ضمن سياق إقليمي جديد. وتشير هذه التسريبات إلى طرح ملفات شائكة، في مقدمتها مستقبل النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات الدولة، وإمكانية تقليصه أو إعادة ضبطه سياسيًا وأمنيًا. هذه المقاربة إن صحت تمثل تحولًا نوعيًا في خطاب السلطة، خاصة أن العلاقة بين المؤسسة العسكرية وهذه التيارات ظلت لعقود علاقة تشابك معقدة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام بداية فك ارتباط، أم إعادة توزيع للأدوار؟
قراءة توقيت الزيارة لا تنفصل عن حجم الضغوط التي يواجهها البرهان. فوفق محللين، تتقاطع عدة عوامل تدفعه نحو إعادة التموضع، من بينها تحولات في مواقف الحلفاء، حيث لم تعد بعض القوى الإقليمية تقدم الدعم بالوتيرة السابقة، إلى جانب تصاعد أدوات الضغط غير التقليدية، مع تقارير تتحدث عن أنشطة اقتصادية مشبوهة تشمل تداول عملات مزورة واستخدامها في أسواق الذهب والسلع، بما يهدد الاستقرار المالي. كما يبرز تعقيد ملف التسليح والإمداد، مع أسئلة حول مصادر السلاح ومساراته والجهات الممولة، في ظل حديث عن ارتباطات إقليمية مع الحرس الثوري الإيراني، وهي نقطة حساسة في حسابات الخليج.
تبدو زيارة أبوظبي خطوة عالية السرية للبرهان، لكنها قد تكون ضرورية من زاوية حسابات السلطة؛ فهي تمنح البرهان فرصة لإعادة بناء شبكة علاقاته، لكنها قد تُفقده توازناته الداخلية إذا أُسيء تقدير ردود الفعل..
في ضوء هذه المعطيات، تبدو أبوظبي خيارًا، أو على الأقل لاحتواء الضغوط المتزايدة، في محاولة لإعادة تموضع السودان ضمن خريطة تحالفات جديدة. وتحمل الزيارة رسائل متعددة الاتجاهات؛ فهي للداخل تعكس استعدادًا لإعادة ترتيب مراكز النفوذ، حتى لو جاء ذلك على حساب حلفاء تقليديين، وللإقليم تؤكد انفتاح الخرطوم على إعادة التموضع وفق منطق المصالح لا الاصطفافات القديمة، بينما توحي للإسلاميين بأن مسارًا جديدًا قيد التشكل قد يعيد تعريف دورهم أو يحد من نفوذهم داخل الدولة.
ورغم تصاعد الحديث عن نهاية نفوذ “الكيزان”، إلا أن المؤشرات تشير إلى أن الأمر أقرب إلى مراجعة عميقة منه إلى حسم نهائي، إذ إن تفكيك شبكة متجذرة داخل مؤسسات الدولة لن يكون سهلًا، وقد يفتح الباب أمام صراعات داخلية معقدة. ويرى مراقبون أن ما يجري لا يرقى بالضرورة إلى «إقصاء»، بقدر ما هو “إعادة هندسة” لموازين القوة، بما يتماشى مع التحولات الإقليمية والدولية.
في النهاية، تبدو زيارة أبوظبي خطوة عالية السرية للبرهان، لكنها قد تكون ضرورية من زاوية حسابات السلطة؛ فهي تمنح البرهان فرصة لإعادة بناء شبكة علاقاته، لكنها قد تُفقده توازناته الداخلية إذا أُسيء تقدير ردود الفعل. وبينما تبقى السيناريوهات مفتوحة بين نجاح هذه المناورة في تثبيت موقعه ضمن معادلة جديدة، أو تحولها إلى نقطة اشتباك مع قوى داخلية، فإن المؤكد أن السودان يقف على أعتاب مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة رسم التحالفات، وسؤالها الأبرز: من يملك القرار في نهاية المطاف؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.