في مشهد بالغ الدلالة، حطّت طائرة تقل الفريق عبد الفتاح البرهان في أبوظبي، قادمةً من رحلة إقليمية شملت مصر والسعودية وعُمان، غير أنها لم تكن الطائرة ذاتها التي أقلّته في جولته ،تفصيلٌ لوجستي صغير، لكنه يحمل في طياته رسائل كبرى عن طبيعة الزيارة وحجم حساسيتها وعمق ما جرى خلف أبوابها الموصدة.
لم تُعلَن الزيارة مسبقاً، ولم تُدرج في أي جدول رسمي معلن، واستمرت لساعات قبل أن يغادر البرهان في صمت يُشبه الصمت الذي قدم فيه. وما يزيد المشهد ثقلاً أن التحركات بأسرها جرت بمعزل تام عن قيادات الحركة الإسلامية السودانية التي طالما شكّلت شبكة النفوذ العميق داخل مفاصل الدولة، ما يُشير إلى أن البرهان يسلك طريقاً مختلفاً هذه المرة، ربما لأول مرة منذ سنوات.
لا تأتي هذه الخطوة في فراغ ، فالبرهان يجد نفسه محاصراً بضغوط متصاعدة من جهات متعددة؛ حلفاء إقليميون بدأوا يُعيدون حساباتهم أو يرفعون سقف مطالبهم، وملفات شائكة تتصل بتدفق الأسلحة ومسارات التمويل وارتباطات تمتد حتى أروقة الحرس الثوري الإيراني ، يُضاف إلى ذلك ما رصده المراقبون من ظاهرة مقلقة تتمثل في ضخ عملات مزورة عبر شبكات تعمل تحت أعين السلطة، تُستخدم في استنزاف الاقتصاد الوطني من خلال شراء الذهب والمواد الغذائية.
في هذا السياق، يبدو أن البرهان بات يدرك ما كان يتجاهله أو يتغاضى عنه: أن الحركة الإسلامية السودانية لم تعد مجرد حليف ثقيل الظل، بل باتت عبئاً استراتيجياً يُهدد مستقبله السياسي قبل أن يُهدد البلاد. وقد جاء تصنيف الإدارة الأمريكية لها منظمةً إرهابية ليُرسّخ هذه القناعة، إذ وجد البرهان نفسه أمام معادلة واضحة: الاستمرار في احتضان الحركة يعني الانزلاق نحو العزلة الدولية، والتخلي عنها قد يكون مفتاح إعادة التموضع.
لم تكن الإمارات يوماً بعيدة عن الملف السوداني، بل كانت من أوائل من أدركوا أن مفتاح السلام في السودان لا يمر عبر الحسم العسكري، وإنما عبر تجفيف منابع التطرف وإزاحة الأيديولوجيا المُسلَّحة عن مقاليد القرار ، الرؤية الإماراتية ترى أن الحل السلمي الحقيقي يستلزم إقصاء الحركة الإسلامية من دوائر التأثير الفعلي، لا مجرد تهميشها شكلياً، وأن بقاءها وقوداً خفياً في المشهد يجعل أي وقف لإطلاق النار مجرد هدنة هشة لا سلاماً دائماً.
وفي الأزمة الإنسانية التي أثقلت كاهل ملايين السودانيين، اضطلعت الإمارات بدور محوري، عبر ممرات الإغاثة وتسهيل وصول المساعدات وصون آليات التنسيق الإنساني في أوقات كان فيها الوصول إلى المتضررين شبه مستحيل ،ذلك الحضور الميداني في العمل الإنساني يُرسّخ الثقل الإماراتي كوسيط ذي مصداقية، لا طرفاً ذا أجندات ضيقة.
ما يتشكّل اليوم يتجاوز كونه إعادة علاقات أو ترميم دبلوماسي ، ثمة مؤشرات على أن أجندة الاجتماعات تضمنت مساراً عملياً نحو تجريم الحركة الإسلامية وقطع شبكات نفوذها المالي والأمني، في خطوة قد تُشكّل نقطة التحول الحقيقية في مسار الحرب ، فالبرهان الذي طالما تعامل مع الحركة بوصفها ورقة ضغط يحتاجها، يبدو أنه أدرك أخيراً أنها باتت حجر عثرة في كل مسار تفاوضي، وأن الدول التي يحتاج دعمها لإخراج السودان من نفقه المظلم، لن تمد يدها ما دامت تلك الحركة تُدير خيوط الحرب من الخلف.
الرسائل الاستراتيجية التي تُطلقها هذه الزيارة واضحة لمن يُحسن القراءة: السودان يسير نحو منعطف، والإسلاميون يقتربون من لحظة خروجهم القسري من المشهد، والسلام الذي طال انتظاره ربما بات أقرب مما يتصوره كثيرون، شرط أن تمضي هذه التحولات إلى نهايتها دون تردد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.