الإخوان المسلمون في السودان: من العمل السياسي إلى السلطة بالقوة ثم السقوط الشعبي

تقرير: عين الحقيقة

ارتبطت نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين في السودان، وفق قراءات سياسية متعددة، بعلاقة معقدة مع السلطة، تراوحت بين العمل الدعوي والسياسي من جهة، والسعي إلى النفوذ المباشر داخل مؤسسات الدولة من جهة أخرى. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا المسار إلى مشروع للسيطرة على الحكم، بلغ ذروته بانقلاب عام 1989، قبل أن ينتهي بسقوط النظام في ثورة شعبية عام 2019.

البدايات: تنظيم يسعى إلى النفوذ
منذ نشأتها في السودان، ركزت الجماعة على بناء قواعدها داخل المجتمع، خاصة في الجامعات والنقابات، مع اهتمام متزايد بالاقتراب من مراكز القرار. ويرى باحثون أن هذا الحضور لم يكن منفصلًا عن طموح سياسي واضح، تمثل في السعي التدريجي للوصول إلى السلطة، سواء عبر التحالفات أو التأثير داخل مؤسسات الدولة.

التحول إلى خيار القوة
مع تعقّد المشهد السياسي في السودان خلال ثمانينيات القرن الماضي، بدأت بعض التيارات الإسلامية في تبني خيارات أكثر حسمًا للوصول إلى الحكم. وجاء انقلاب 30 يونيو 1989 ليشكل نقطة مفصلية، حيث استولى تحالف عسكري-سياسي مرتبط بالحركة الإسلامية على السلطة، منهياً تجربة ديمقراطية قائمة آنذاك. هذا التحول مثّل انتقالًا من العمل السياسي التقليدي إلى استخدام القوة العسكرية كوسيلة مباشرة للحكم، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول طبيعة المشروع الذي تقوده الحركة.

ثلاثة عقود من الحكم
على مدى ثلاثين عامًا، عملت السلطة الجديدة على إعادة صياغة مؤسسات الدولة، عبر سياسات التمكين وإعادة توزيع النفوذ داخل الجيش والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية. وخلال هذه الفترة، تم تعزيز قبضة الدولة الأمنية، في ظل صراعات داخلية وحروب متعددة، إلى جانب تحديات اقتصادية وعزلة دولية. ويرى محللون أن هذه المرحلة اتسمت بمحاولة فرض مشروع سياسي وأيديولوجي باستخدام أدوات الدولة، بما في ذلك القوة العسكرية والأمنية، ما أدى إلى تآكل الثقة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.

القوة المدنية المسلحة: بين السياسة والعسكرة
من أبرز ملامح هذه المرحلة، بحسب مراقبين، تداخل العمل السياسي مع الطابع العسكري، حيث ظهرت تشكيلات وتنظيمات ذات طابع تعبوي وأمني، لعبت دورًا في ترسيخ السلطة. هذا التداخل بين المدني والعسكري أسهم في تعقيد المشهد السياسي، وجعل من الصعب الفصل بين الدولة والحزب أو بين السلطة والتنظيم.

السقوط
في 19 ديسمبر 2019، خرج السودانيون في احتجاجات واسعة النطاق، سرعان ما تحولت إلى ثورة شعبية سلمية أطاحت بالنظام الحاكم.
ويرى عدد من المراقبين أن هذه الثورة لم تكن مجرد تغيير سياسي، بل مثّلت رفضًا واسعًا لنهج الحكم الذي استمر لثلاثة عقود، بما في ذلك استخدام القوة كوسيلة للسيطرة.رتميزت الثورة بطابعها السلمي، واعتمادها على حراك شعبي واسع، ما منحها زخمًا داخليًا ودعمًا دوليًا، وأسهم في إنهاء مرحلة طويلة من الحكم.

قراءة في المسار: بين الصعود والانهيار
يعكس مسار الإخوان المسلمين في السودان تحولات عميقة في العلاقة بين الأيديولوجيا والسلطة. فالصعود عبر أدوات القوة منحهم سيطرة طويلة، لكنه في الوقت ذاته، بحسب محللين، ساهم في خلق عوامل التراجع، نتيجة الضغوط الداخلية والخارجية، وتآكل القاعدة الشعبية. منذ التأسيس إلى التمكين ثم السقوط، يقدّم تاريخ الإخوان في السودان نموذجًا معقدًا لتجربة سياسية ارتبطت بالسلطة بشكل وثيق. وبينما أنهت ثورة ديسمبر مرحلة مهمة، لا تزال تداعيات تلك الحقبة حاضرة في المشهد السوداني، في وقت يبحث فيه السودانيون عن مسار جديد يقوم على التوازن والاستقرار، بعيدًا عن دوائر الصراع والقوة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.