في أول أيام العيد، وبينما كان السودانيون يبحثون عن بارقة أمل، سقطت صواريخ الموت على “مستشفى الضعين التعليمي”. أكثر من مائة روح—أغلبهم من الأطفال والنساء في أقسام الطوارئ—تحولوا إلى أشلاء. فاجعة إنسانية لا تقبل التأويل، لكن الفاجعة الأكبر كانت في “الميزان المختل” الذي يقيس به البعض حرمة الدم السوداني.
إلى الناشطين والفاعلين في “الميديا”..
نراكم تملأون الدنيا ضجيجًا، وتكتبون المعلقات في إدانة جرائم بعينها، ثم تصمتون “صمت القبور” عندما يقع القتل في بقعة جغرافية لا تخدم أجندتكم أو تخشون فيها من “التصنيف”.
الصمت هنا ليس حيادًا، بل هو تواطؤ أخلاقي.
إن الخوف من أن تُصنَّف “دعامي” أو “قحاتي” لا يبرر أبدًا تجاهل مئات الأرواح التي أُزهقت في وضح النهار.
الناشط الذي يختار ضحاياه “بالمسطرة” هو ناشط فقد بوصلته الإنسانية، وصار يتاجر بالألم بدلًا من الدفاع عنه.
إلى القوى السياسية والإعلاميين..
يا من تتحدثون باسم الشعب وتدّعون حماية المدنيين في المحافل الدولية، أين أصواتكم من مجزرة مستشفى الضعين؟
هل دماء هؤلاء الأطفال “رخيصة” لأنها سقطت في مناطق سيطرة جهة معينة؟
إن تبرير القتل بوصف الضحايا بأنهم “حواضن” هو سقوط قيمي لم يسبق له مثيل في تاريخنا.
السياسة التي تُبنى على جثث الأبرياء وتتجاهل وجع الأمهات هي سياسة عرجاء، والإعلامي الذي يغض الطرف عن مجزرة موثقة لمجرد الحسابات السياسية هو “شريك” في الجريمة بمداد صمته.
يا أهلنا في كل ربوع السودان..
لقد تجاوز البعض مرحلة الخلاف السياسي إلى مرحلة “الشماتة في الموت” و”التبرير للمجازر”.
إن استهداف المستشفيات جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، والصمت عنها هو الضوء الأخضر للمجرم ليقتل المزيد.
إذا لم تقف مع الحق في لحظة الضعين، فلا تصفق للباطل عندما يحاصرك في مكان آخر.
إن الدم السوداني واحد، من الخرطوم إلى مدني، ومن الجنينة إلى الضعين.
ومن لا يحزن لموت طفل في الضعين، لا يحق له أن يدّعي الإنسانية في أي مكان آخر.
التاريخ يسجل، والشعب السوداني البسيط يراقب، ويعرف من وقف معه في محنته ومن باعه في سوق المزايدات السياسية.
رحم الله شهداءنا، ولا نامت أعين الجبناء والمبررين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.