كسب سياسي

أطياف - صباح محمد الحسن

(بدأت بعض التيارات المدنية تُظهر استعداداً للتنازل تحت ضغط الحرب، دون أن تدرك أنها عملياً تستجيب لابتزاز سياسي، إذ ربط الإسلاميون وقف الحرب بشرط إدماجهم في العملية السياسية، في ممارسة “ليّ الذراع” القائمة على استخدام أدوات العنف أو التهديد لفرض موقع تفاوضي.)

طيف أول:

بالرغم من غسق عينك يا وطن،
يذوب الحبر،
وتتوارى الأقلام
خلف سكون دهشتك،
فماذا إن كنت ضاحكاً!!

والهمس بالخطط لا يمكن أن يكون فعلاً بريئاً في جوهره، لأنه يهدف إلى تمرير فكرة مرفوضة شعبياً عبر قنوات غير معلنة، وبجرعات صغيرة ودقيقة، حتى تصبح مقبولة أو على الأقل غير صادمة.
فعندما تُمرَّر خطة ضرورة قبول وإشراك الإسلاميين في الحوار من أصوات مدنية لتسويقها، وتُقدَّم كبديل واقعي يوازن بين مطلب الثورة ومقتضيات التسوية، فهذا يعني أن بعض التيارات المدنية بدأت تُظهر استعداداً للتنازل تحت ضغط الحرب، دون أن تدرك أنها عملياً تستجيب لابتزاز سياسي، إذ ربط الإسلاميون وقف الحرب بشرط إدماجهم في العملية السياسية، في ممارسة “ليّ الذراع” القائمة على استخدام أدوات العنف أو التهديد لفرض موقع تفاوضي.
وتقديم المقترح على شاكلة “كبسولات سياسية” يعني أن هذه الجهات لا تعرض الفكرة كبرنامج شامل أو إعلان صريح، بل تقدّمها في جرعات صغيرة ومحدودة ومغلفة بخطاب براغماتي، حتى لا تُتَّهم مباشرة بأنها تستجيب لابتزاز الإسلاميين. وبعض القوى المدنية تدرك أن الشارع الثوري يرفض الإسلاميين، لذلك تُقدَّم الفكرة بشكل تدريجي لتقليل رد الفعل الشعبي، في مساومة تمرّر باستحياء لترهن (وقف الحرب مقابل مشاركتهم) لتبدو وكأنها “حل واقعي”، لا خضوع مباشر.
ومعلوم أن بعض القوى الإقليمية لا تريد إقصاء الإسلاميين بشكل شامل، وتضغط لإيجاد صيغة “معتدلة” تضمن مشاركة غير المجرمين. لكن النقطة الجوهرية هي أن حتى من يُسمَّون “غير المجرمين” من الإسلاميين لم يقفوا على الحياد في حرب 15 أبريل، بل دعموا استمرارها سياسياً وإعلامياً ومالياً. وهذا الدعم نفسه يُعتبر إجراماً جديداً، لأنه ساهم في قتل الآلاف من السودانيين، وأطال أمد الحرب، وزاد معاناة المدنيين عبر النزوح والتشريد، وتدمير البنية التحتية، وقتل الأبرياء.
لذلك، عندما يعلن الإسلاميون تأييدهم للقتال، فهم يمنحون غطاءً سياسياً وأيديولوجياً للعنف ويعملون على استمراره. وابتزازهم السياسي في ربط وقف الحرب بشرط المشاركة السياسية يجعل من دعمهم أداة ضغط، وبالتالي مساهمة في استمرار الدماء، لأن هذا الدعم نفسه يُدخلهم في دائرة المسؤولية عن الجرائم الجديدة. ومن ثم، فإن أي محاولة لتسويق خطة استيعابهم تبدو وكأنها تبييض لدورهم في الحرب، وهو ما يتعارض مع مطلب العدالة والمحاسبة.
وخطة تحالف القوى المدنية “صمود” والأحزاب السياسية الأخرى غير المنضوية تحت مظلته، التي رفعت شعار “لا للحرب”، وضعت خطة واضحة حين أبعدت طرفي الصراع عن العملية السياسية وأبعدت التنظيم الإسلاموي. ولا شك أن دور الإسلاميين في الحرب لا يقل عن دورهم في الثلاثين عاماً الماضية. فخطاب “صمود” يقطع الطريق على هذا الابتزاز، لأن المعركة ليست فقط حول وقف الحرب، بل حول من يملك حق صياغة المستقبل السياسي: هل هو نتاج ضغط السلاح أم نتاج شرعية مدنية؟
وإدماج الإسلاميين تحت الضغط يعيد إنتاج نفس الشبكات التي أشعلت الحرب. وخطة تسويق الإسلاميين من جديد ربما تكون لها أهداف غير معلنة تُقدَّم تحت مبرر وقف الحرب، ويكون القصد منها الكسب السياسي وإضعاف تيارات سياسية منحها خطاب السلام قوة، أو التأثير على التوازن الدولي لكي يعيد حساباته تجاه دعم القوى الديمقراطية. وكذلك في بريد المجتمع الدولي، أن الحرب لن تتوقف إلا إذا حصل الإسلاميون على مقعد سياسي، ما يجعلهم يفرضون أنفسهم كطرف لا يمكن تجاوزه.
لذلك، فإن تصريح دكتور عبد الله حمدوك أمس بأن “لا مكان في العملية السياسية لأي دور لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية التي تسببت في كل هذا الموت والدمار”، لم يكن صدفة. جاء في لحظة تتكاثر فيها الأطروحات المخففة، ويحمل عدة رسائل سياسية، وكأنه أراد أن يطمئن القوى المدنية والثورية أن مشروع الثورة لم يُختطف، وأن الخطة لن تفشل، وأن الإسلاميين لن يُعاد إنتاجهم في العملية السياسية مهما كانت الضغوط.
كما أن الرسالة موجهة إلى القوى غير المنضوية في “صمود”، التي تطرح خططاً ناعمة لاستيعاب الإسلاميين، ليقول لهم إن هذا الطريق يعني عملياً الاستجابة لابتزاز الحرب. وإلى المجتمع الدولي، أراد حمدوك أن يضع نفسه وتحالفه كخيار مدني موثوق، ينسجم مع الموقف الغربي الذي يرى أن الإسلاميين مسؤولون عن الحرب والدمار، خاصة بعد تصنيفهم ككيان إرهابي. وهي بلا شك رسالة إلى الإسلاميين أنفسهم تحمل تحدياً مباشراً: أن الحرب لن تمنحهم شرعية سياسية، وأن محاولتهم فرض أنفسهم عبر “ليّ الذراع” لن تُكسبهم مقعداً في المستقبل.

طيف أخير:
#لا_للحرب
كشفت المعلومات أن المشاورات القبلية السرية بين الدعم السريع والقوات المسلحة، والتي تمهّد طريق التفاوض وتتم برعاية دولية، طلب فيها الجيش ضرورة إضعاف الدعم السريع بخروج قياداته الميدانية البارزة، حتى ترتفع أسهم الجيش على الأرض بالتفوق عسكرياً على الدعم السريع. ويرى الجيش أن هذا هو السبيل الوحيد لإقناع الشعب السوداني داخلياً بالتفاوض.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.