شبكات المال في الظل: كيف أعاد التنظيم ترتيب إمبراطوريته الاقتصادية بعيداً عن العقوبات؟ انتقال من “التمكين العلني” إلى الاقتصاد الخفي

تقرير: عين الحقيقة

مع تصاعد الضغوط الدولية والعقوبات المفروضة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق في السودان، اتجهت شبكات محسوبة على الحركة الإسلامية إلى إعادة هيكلة أنشطتها المالية والاقتصادية بصورة أكثر تعقيدًا وسرية. وبحسب مختصين في الشأن الاقتصادي، فإن التنظيم لم يعد يعتمد على الشبكات الاستثمارية التقليدية أو الشركات المرتبطة مباشرة بقياداته المعروفة، بل لجأ إلى ما يصفه خبراء بـ“تسييل الأصول”، أي تحويل الثروات الكبيرة إلى استثمارات صغيرة ومتفرقة يصعب تتبعها أو ربطها تنظيميًا.

لم تعد هذه الشبكات تعتمد بصورة رئيسية على النظام المصرفي العالمي أو التحويلات الرسمية المرتبطة بشبكة “سويفت”، بل توسعت في استخدام وسائل مالية بديلة أقل خضوعًا للرقابة.

“الصف الثاني” في الواجهة

تشير تقديرات إلى أن إدارة هذه الشبكات الجديدة باتت تتم عبر شخصيات من “الصف الثاني” أو رجال أعمال غير معروفين سياسيًا، يتم الدفع بهم إلى الواجهة لتقليل مخاطر الملاحقة أو الرقابة الدولية. ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق مسافة ظاهرية بين النشاط الاقتصادي والقيادات التقليدية للحركة الإسلامية، خصوصًا بعد إدراج عدد من الأسماء والكيانات في قوائم العقوبات والمراقبة الدولية. ويقول الخبير الاقتصادي مأمون الطيب: “الشبكات المرتبطة بالتنظيمات السياسية تتكيف سريعًا مع العقوبات، وغالبًا ما تلجأ إلى تفكيك الكيانات الكبرى إلى شركات أصغر يصعب ربطها ببعضها”.

الابتعاد عن النظام المالي التقليدي

وبحسب مختصين، لم تعد هذه الشبكات تعتمد بصورة رئيسية على النظام المصرفي العالمي أو التحويلات الرسمية المرتبطة بشبكة “سويفت”، بل توسعت في استخدام وسائل مالية بديلة أقل خضوعًا للرقابة. ومن بين أبرز هذه الوسائل: نظام الحوالات التقليدي غير الرسمي. تجارة الذهب والمعادن. المحافظ العقارية الخارجية. شبكات التجارة العابرة للحدود. ويرى خبراء أن هذه الآليات تمنح مرونة أكبر في نقل الأموال وتدويرها بعيدًا عن الرقابة المالية الدولية.

خارطة استثمارات “مبعثرة”

تشير معلومات متداولة بين مختصين إلى أن الاستثمارات المرتبطة بهذه الشبكات باتت موزعة جغرافيًا بصورة استراتيجية لتجنب التتبع أو التجميد. ففي حين تتركز بعض المحافظ العقارية والاستثمارات التجارية في دول مثل بريطانيا وتركيا وماليزيا، ظهرت داخل السودان واجهات اقتصادية جديدة تحمل أسماء وشخصيات غير مرتبطة ظاهريًا بالحركة الإسلامية. ويرى محللون أن هذا “التشتيت الجغرافي” يجعل من الصعب تكوين صورة متكاملة عن حجم الشبكات المالية أو طبيعة ارتباطاتها.

شركات الوقود… الواجهة الجديدة؟

في الداخل السوداني، برز قطاع استيراد الوقود باعتباره أحد أكثر القطاعات نشاطًا خلال الفترة الأخيرة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى تأسيس عشرات الشركات الجديدة العاملة في هذا المجال خلال فترة قصيرة، برؤوس أموال ضخمة تتجاوز مئات الملايين من الدولارات.

ويرى مختصون أن بعض هذه الشركات تُدار عبر رجال أعمال وشخصيات عامة لا تُعرف بانتماءات سياسية مباشرة، ما يمنحها غطاءً تجاريًا بعيدًا عن الشبهات. ويقول الباحث في الاقتصاد السياسي عادل يوسف: “قطاع الوقود يُعد من أكثر القطاعات حساسية وربحية في بيئات الحرب، ولذلك يصبح هدفًا طبيعيًا للشبكات التي تسعى إلى بناء مصادر تمويل مستدامة”.

يرى مراقبون أن الحرب الحالية ساهمت في توسيع الاقتصاد الموازي داخل السودان، حيث تراجعت الرقابة المؤسسية وازدادت حركة الأموال خارج النظام الرسمي.

الحرب والاقتصاد الموازي

يرى مراقبون أن الحرب الحالية ساهمت في توسيع الاقتصاد الموازي داخل السودان، حيث تراجعت الرقابة المؤسسية وازدادت حركة الأموال خارج النظام الرسمي. كما أن حالة السيولة الأمنية والاقتصادية وفرت بيئة مناسبة لنمو شبكات التجارة غير الرسمية والاستثمارات غير الشفافة. ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد قائم على شبكات النفوذ والولاءات، بدلًا من المؤسسات والقوانين.

تمويل السياسة والسلاح

بحسب مختصين، فإن أخطر ما في هذه الشبكات ليس فقط حجمها الاقتصادي، بل احتمال توظيفها في تمويل الأنشطة السياسية أو العسكرية خلال المرحلة الحالية. ويقول محللون إن بعض الأنشطة التجارية المرتبطة بقطاعات حيوية مثل الوقود والمعادن يمكن أن تتحول إلى أدوات لتمويل النفوذ السياسي أو دعم مجموعات مسلحة بصورة غير مباشرة.

تحديات الرقابة الدولية

رغم تشديد العقوبات والمراقبة على بعض الشخصيات والكيانات، يرى خبراء أن الشبكات الاقتصادية الحديثة أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع القيود الدولية، خصوصًا في الدول التي تعاني من ضعف أنظمة الشفافية أو الرقابة المالية. كما أن استخدام وسطاء وشركات صغيرة متعددة يجعل تتبع حركة الأموال أكثر تعقيدًا بالنسبة للجهات الرقابية الدولية. هل يتحول الاقتصاد إلى ساحة صراع خفي؟ يرى مراقبون أن الصراع في السودان لم يعد عسكريًا فقط، بل بات يشمل أيضًا معركة خفية حول السيطرة على الموارد والأسواق وشبكات التمويل.

ففي ظل انهيار أجزاء واسعة من الاقتصاد الرسمي، تتزايد أهمية الاقتصاد الموازي بوصفه مصدرًا للنفوذ والاستمرار السياسي والعسكري.

تكشف التحولات الأخيرة في الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحركة الإسلامية عن انتقال واضح من نموذج “التمكين العلني” إلى اقتصاد الظل والشبكات المبعثرة العابرة للحدود. ومع استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الرقابة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع السودان مستقبلاً تفكيك اقتصاد النفوذ والشبكات السرية، أم أن الحرب ستؤدي إلى ترسيخ نموذج جديد من الاقتصاد الموازي يصعب اقتلاعه؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.