الحرب وإعادة تشكيل موازين القوة.. تفكيك المؤسسة العسكرية في السودان

مع استمرار الحرب في السودان واتساع نطاق العمليات العسكرية، بدأت ملامح واقع أمني جديد تتشكل داخل المعسكرات المسلحة، يقوم على تعدد مراكز القوة والاعتماد المتزايد على تشكيلات غير نظامية في إدارة المعارك والسيطرة الميدانية. ويرى مراقبون أن الجيش السوداني وجد نفسه، بفعل تعقيدات الحرب وطول أمدها، أمام حاجة متزايدة للاستعانة بقوى مسلحة حليفة ذات خلفيات أيديولوجية أو محلية، وهو ما خلق بيئة أقرب إلى “المحاصصة العسكرية” داخل مسرح العمليات.

خبير: الظاهرة تمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع السوداني، معتبرًا أن بعض التشكيلات المسلحة باتت تعمل كـ“جيوش موازية” تمتلك قدرات قتالية متطورة ودوائر نفوذ مستقلة نسبيًا عن المؤسسة العسكرية التقليدية.

من بين أبرز هذه التشكيلات، برز اسم “كتيبة البراء بن مالك” التي ظهرت بصورة متزايدة في الخطاب التعبوي والإعلامي المرتبط بالحرب الحالية. ويقول متابعون إن الكتيبة تمثل أحد أبرز النماذج على صعود المجموعات المسلحة ذات الخلفية الإسلامية داخل المعسكر المؤيد للجيش، خصوصًا مع توسع دورها الميداني خلال الأشهر الأخيرة. ويرى بعض المحللين أن هذه التشكيلات لم تعد مجرد مجموعات إسناد، بل أصبحت تمتلك نفوذًا وتأثيرًا متزايدين داخل المشهد العسكري.

“جيوش موازية” داخل الدولة

الخبير في الشؤون الأمنية سيبويه يوسف وصف هذه الظاهرة بأنها تمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع السوداني، معتبرًا أن بعض التشكيلات المسلحة باتت تعمل كـ“جيوش موازية” تمتلك قدرات قتالية متطورة ودوائر نفوذ مستقلة نسبيًا عن المؤسسة العسكرية التقليدية. ويقول يوسف: “الحرب خلقت واقعًا تتقاسم فيه مجموعات متعددة النفوذ العسكري والميداني، وبعضها يمتلك اليوم تقنيات وتسليحًا يتجاوز قدرات كانت حكرًا على الجيوش النظامية”.

من الطيران المسيّر إلى المدفعية

بحسب مراقبين، فإن بعض التشكيلات المساندة للجيش لم تعد تعتمد فقط على الأسلحة الخفيفة أو أدوار التعبئة، بل أصبحت تمتلك أدوات قتالية متقدمة تشمل الطيران المسيّر والمدفعية وأنظمة الاستطلاع الميداني. ويرى خبراء أن هذا التطور يعكس تحولًا نوعيًا في بنية القوى المسلحة داخل السودان، حيث تتزايد قدرات المجموعات غير النظامية بصورة غير مسبوقة. كما يثير ذلك تساؤلات حول طبيعة شبكات الدعم والإمداد التي سمحت بوصول هذه التقنيات إلى مجموعات خارج الهياكل العسكرية التقليدية.

يحذر مختصون من أن اتساع نفوذ التشكيلات الموازية قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية الرسمية على المدى الطويل، خصوصًا إذا أصبحت مراكز القوة موزعة بين فصائل متعددة ذات ولاءات متباينة.

تآكل البنية المؤسسية للدولة

يحذر مختصون من أن اتساع نفوذ التشكيلات الموازية قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية الرسمية على المدى الطويل، خصوصًا إذا أصبحت مراكز القوة موزعة بين فصائل متعددة ذات ولاءات متباينة. ويرى محللون أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط الجانب العسكري، بل تأثيرها السياسي والمؤسسي، إذ تتحول بعض الفصائل إلى قوى تمتلك نفوذًا مستقلًا وقدرة على التأثير في القرار العام. ويقول الباحث السياسي عادل الطيب: “حين تتعدد مراكز السلاح داخل الدولة، يصبح من الصعب الحفاظ على احتكار المؤسسة الرسمية للقوة، وهو ما يهدد مفهوم الدولة الحديثة نفسه”.

الحرب تعيد إنتاج نماذج قديمة

يرى مراقبون أن ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة شهدها السودان، حين تم إنشاء تشكيلات موازية للمؤسسة العسكرية خلال سنوات النظام السابق، مثل “الدفاع الشعبي” و”الأمن الشعبي”. ويعتقد خبراء أن هذه السياسات ساهمت سابقًا في إضعاف المهنية العسكرية وخلق شبكات ولاء متشابكة داخل المنظومة الأمنية.

تحديات ما بعد الحرب

تطرح هذه التطورات تحديات كبيرة أمام أي عملية مستقبلية لإعادة بناء الدولة السودانية، خصوصًا فيما يتعلق بملف إصلاح القطاع الأمني والعسكري. فوجود مجموعات مسلحة تمتلك نفوذًا مستقلًا وتسليحًا متطورًا قد يجعل عملية الدمج أو إعادة الهيكلة أكثر تعقيدًا، خاصة إذا ارتبطت هذه القوى بمشاريع سياسية أو أيديولوجية خاصة بها. هل تتحول الحرب إلى صراع مراكز نفوذ؟ مع استمرار القتال، يخشى مراقبون من أن تتحول الحرب تدريجيًا من مواجهة بين طرفين رئيسيين إلى ساحة صراع مفتوحة بين مراكز قوة متعددة داخل المعسكرات المسلحة نفسها.

ويحذر خبراء من أن تعدد “الجيوش الموازية” قد يقود مستقبلًا إلى صدامات داخلية وصراعات نفوذ يصعب احتواؤها، حتى في حال التوصل إلى اتفاق سياسي لوقف الحرب. تكشف الحرب السودانية يومًا بعد يوم عن تحولات عميقة في طبيعة السلطة والسلاح داخل البلاد. فبينما تتراجع مؤسسات الدولة التقليدية تحت ضغط الحرب، تصعد تشكيلات مسلحة جديدة تمتلك النفوذ والسلاح والتأثير.  هل يستطيع السودان استعادة مفهوم “الدولة الواحدة والجيش الواحد” بعد كل هذا التشظي، أم أن واقع الجيوش الموازية بات جزءًا دائمًا من المشهد السوداني؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.