تحولات دولية في مقاربة الإسلام السياسي: لماذا لم يعد «الإخوان» خياراً مقبولاً في السودان والمنطقة؟
تقرير: عين الحقيقة
تشهد المقاربة الدولية تجاه جماعة الإخوان المسلمين وتحركات الإسلام السياسي تحولات متسارعة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد التجارب السياسية والأمنية التي عرفتها عدة دول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبينما كانت بعض العواصم الغربية تنظر في فترات سابقة إلى الجماعة باعتبارها تيارًا سياسيًا يمكن دمجه في عمليات التغيير وإدارة الحكم، باتت النظرة اليوم أكثر حذرًا، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالتطرف، واستغلال الجماعات الأيديولوجية لحالات الفوضى والصراعات الداخلية. ويرى مراقبون أن السودان يُعد من أبرز النماذج التي أعادت طرح هذا النقاش بقوة، بعد عقود من حكم الحركة الإسلامية وما أعقبها من أزمات سياسية واقتصادية وحروب داخلية.
في السنوات الأخيرة، تطورت استراتيجيات مكافحة التطرف من التركيز على البعد العسكري فقط إلى الاهتمام بالأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تنتج خطاب العنف أو تبرره.
السودان… تجربة أعادت تشكيل المواقف
منذ وصول الإسلاميين إلى السلطة في السودان عام 1989، دخلت البلاد مرحلة طويلة من التغييرات السياسية والأمنية والاقتصادية، انتهت بثورة شعبية أطاحت بنظام عمر البشير في عام 2019. لكن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة بقوة، سواء في بنية المؤسسات أو في طبيعة الصراع الحالي، وهو ما جعل السودان نموذجًا حاضرًا في النقاشات الدولية المتعلقة بعلاقة الإسلام السياسي بإدارة الدولة والاستقرار. ويقول الباحث في شؤون الجماعات السياسية، الدكتور سامي عبد الرحمن: “التجربة السودانية لعبت دورًا مهمًا في إعادة تقييم المجتمع الدولي لفكرة الاعتماد على الحركات الأيديولوجية في إدارة التحولات السياسية”.
من “الاحتواء” إلى الحذر
خلال العقدين الماضيين، اتبعت بعض الدول الغربية سياسات تقوم على احتواء الحركات الإسلامية وإدماجها سياسيًا، باعتبار أن إشراكها في العملية الديمقراطية قد يخفف من نزعات التطرف. لكن صعود جماعات مسلحة، وتفجر النزاعات في عدة دول، دفع مراكز القرار الدولية إلى إعادة النظر في هذه المقاربة، والتمييز بين المشاركة السياسية المدنية وبين استخدام الخطاب الديني كأداة للهيمنة السياسية أو التعبئة الصراعية. وفي هذا السياق، يرى محللون أن الولايات المتحدة وشركاءها باتوا أكثر تركيزًا على استقرار الدول وبناء المؤسسات، بدلًا من الرهان على قوى أيديولوجية ذات مشاريع عابرة للدولة الوطنية.
الحالة السورية… والسودان المختلف
يرى خبراء أن نجاح بعض الترتيبات السياسية في سوريا أو في دول أخرى لا يعني بالضرورة إمكانية تكرار السيناريو ذاته في السودان أو المنطقة عمومًا. فلكل دولة ظروفها الاجتماعية والسياسية الخاصة، كما أن التجارب المرتبطة بالحركات الإسلامية تختلف من بلد إلى آخر من حيث البنية والتنظيم والعلاقة بالمؤسسات العسكرية والأمنية. ويشير محللون إلى أن السودان يحمل خصوصية مختلفة بسبب تداخل الإسلام السياسي مع أجهزة الدولة والاقتصاد والمؤسسة العسكرية خلال ثلاثة عقود من الحكم.
المواجهة لم تعد عسكرية فقط
في السنوات الأخيرة، تطورت استراتيجيات مكافحة التطرف من التركيز على البعد العسكري فقط إلى الاهتمام بالأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تنتج خطاب العنف أو تبرره. ويؤكد خبراء أن هزيمة التنظيمات المسلحة ميدانيًا لا تعني بالضرورة انتهاء تأثيرها، إذا ظلت الأفكار التي تستند إليها قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل المجتمع. ويقول الباحث في قضايا التطرف أحمد الطاهر: “المعركة الحقيقية أصبحت معركة أفكار بقدر ما هي معركة أمنية، لأن التنظيمات قد تنهار، لكن الخطاب الذي يغذيها يمكن أن يعود بأشكال مختلفة”.
السودان وسؤال الخطاب الأيديولوجي
في الحالة السودانية، يرى مراقبون أن استمرار الحرب الحالية أعاد إلى الواجهة النقاش حول دور الخطاب الأيديولوجي في تأجيج الصراع وإضعاف فرص التسوية السياسية. فبينما تتصاعد الدعوات إلى بناء دولة مدنية ومؤسسات مهنية، لا تزال بعض التيارات تعتمد خطابًا تعبويًا قائمًا على الاستقطاب والتخوين وربط الصراع بمعارك وجودية أو دينية. ويرى مختصون أن هذا النوع من الخطاب يعرقل جهود المصالحة ويعمّق الانقسامات داخل المجتمع. تشير التحولات الدولية الأخيرة إلى أن الأولوية باتت تتجه نحو دعم استقرار الدول الوطنية ومؤسساتها، بدلًا من التعويل على الجماعات الأيديولوجية في إدارة المشهد السياسي. وفي السودان، تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه بناء عملية سياسية تستند إلى مؤسسات مدنية مستقلة، مع الحد من نفوذ الجماعات المسلحة أو المؤدلجة داخل الدولة.
هل انتهى دور الإسلام السياسي؟
رغم التراجع الواضح في حضور بعض الحركات الإسلامية داخل المنطقة، يرى باحثون أن الحديث عن “نهاية” الإسلام السياسي بشكل كامل قد يكون مبالغًا فيه. لكن المؤكد، بحسب مراقبين، أن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد كما كانت قبل عقد أو عقدين، وأن الجماعات التي كانت تُقدَّم كبدائل سياسية تواجه اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالشرعية والقبول الشعبي والدولي. تكشف التحولات الجارية في السودان والمنطقة أن المواجهة مع التطرف لم تعد تُقاس فقط بعدد المعارك العسكرية، بل بقدرة الدول والمجتمعات على بناء خطاب وطني جامع ومؤسسات مستقلة تمنع إعادة إنتاج الأزمات. وفي ظل الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الصراع والتسييس، يبقى التحدي الأكبر أمام السودان هو: كيف يمكن بناء دولة تتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي، وتعيد تعريف السياسة بوصفها إدارة للمصلحة الوطنية لا صراعًا على الهيمنة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.