تشهد الساحة السودانية تطورًا بالغ الخطورة قد يعيد رسم ملامح الحرب الدائرة في البلاد. فالصراع لم يعد محصورًا في المواجهة التقليدية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل بدأ يتسلل إلى داخل المعسكر ذاته الذي يفترض أنه يقف في خندق واحد. وما جرى أخيرًا من استهداف لمنزل القائد الميداني أبو عاقلة كيكل في ولاية الجزيرة يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة التوازنات المتصدعة داخل معسكر بورتسودان.
الحادثة، مهما كانت تفاصيلها الأمنية الدقيقة، لا تبدو معزولة عن السياق العام الذي تشكل خلال الشهور الأخيرة. فالمشهد العسكري في السودان أصبح أكثر تعقيدًا من مجرد جيش نظامي يواجه خصمًا عسكريًا واضحًا؛ إذ تشكلت داخل المعسكر المؤيد للجيش مراكز نفوذ متعددة، تضم تشكيلات قبلية، وكتائب ذات طابع أيديولوجي، وقوى محلية صعدت بفعل الحرب، وكلها باتت تمتلك السلاح والنفوذ والطموح السياسي.
من هنا، فإن استهداف شخصية بحجم كيكل لا يمكن قراءته فقط كحادث أمني عابر، بل كمؤشر على احتدام الصراع داخل “بيت الحلفاء” نفسه. فالحرب الطويلة لا تنتج فقط دمار المدن، بل تعيد أيضًا تشكيل موازين القوة داخل المعسكرات المسلحة، حيث يبدأ التنافس على النفوذ والشرعية والموقع في “اليوم التالي للحرب”.
لقد بدا واضحًا خلال الأشهر الماضية أن التحالفات داخل معسكر بورتسودان ليست صلبة كما يتم تصويرها إعلاميًا. فخلف خطاب “وحدة الصف”، توجد تناقضات عميقة بين قوى ذات خلفيات وأهداف مختلفة. هناك قوى قبلية تسعى لتوسيع نفوذها المحلي، وأخرى أيديولوجية مرتبطة بالحركة الإسلامية ترى الحرب فرصة لإعادة التموضع داخل الدولة، إلى جانب قيادات عسكرية تحاول الحفاظ على توازن هش بين هذه الأطراف المتصارعة.
وفي مثل هذه البيئات، يصبح السلاح أداة ليس فقط لمواجهة الخصوم الخارجيين، بل أيضًا لتصفية الحسابات الداخلية. لذلك، فإن الحديث عن “حرب أجنحة” لم يعد مجرد توصيف سياسي، بل واقع يفرض نفسه تدريجيًا على الأرض.
الخطير في الأمر أن السودان يقف اليوم أمام خطر انتقال الحرب من صراع بين طرفين رئيسيين إلى حالة تشظٍ أوسع داخل المعسكرات المسلحة نفسها. وهذا السيناريو، إن تطور، قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الفوضى والانقسامات، ويجعل أي تسوية سياسية أكثر تعقيدًا.
كما أن تصاعد التوترات الداخلية يطرح تساؤلات حول قدرة القيادة العسكرية في بورتسودان على ضبط هذه التناقضات، خصوصًا مع تنامي نفوذ المجموعات المسلحة غير النظامية، التي بات بعضها يمتلك حضورًا ميدانيًا وإعلاميًا يفوق أحيانًا حضور المؤسسات الرسمية.
والأهم من ذلك، أن هذه التطورات تكشف كيف أن الحرب السودانية لم تعد مجرد معركة عسكرية، بل تحولت إلى صراع مفتوح على شكل السلطة المقبلة، ومن يملك حق السيطرة على الدولة بعد توقف القتال. فكل قوة مسلحة اليوم تقاتل أيضًا من أجل موقعها في مستقبل السودان، لا فقط من أجل حسم المعركة الحالية.
لكن وسط هذا المشهد القاتم، يبقى المدني السوداني هو الخاسر الأكبر. فبين صراع المعسكرات، وتنافس الميليشيات، وحروب النفوذ، تستمر البلاد في الانهيار، بينما تتراجع فرص السلام والاستقرار يومًا بعد يوم.
إن أخطر ما أنتجته الحرب ليس فقط الخراب والدمار، بل تفكيك فكرة الدولة نفسها، وتحويل السلاح إلى اللغة الوحيدة التي تحكم العلاقات بين القوى المختلفة. وحين تصل الصراعات إلى داخل “بيت الحلفاء”، فإن ذلك يعني أن الأزمة السودانية دخلت بالفعل مرحلة أكثر هشاشة وخطورة
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.