إغلاق الكافيهات وأندية المشاهدة… العودة إلى عهد الوصاية 

نورا عثمان

مرة أخرى، يجد السودانيون أنفسهم أمام مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات طويلة من الوصاية الاجتماعية والتضييق على الحياة العامة. فقرارات إغلاق الكافيهات وأندية المشاهدة في الخرطوم ليست مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل تعكس عقلية سياسية لا تزال تنظر إلى المجتمع بعين الرقابة والمنع، بدلًا من احترام الحريات الفردية وحق الناس في الحياة الطبيعية.

في بلد أنهكته الحرب، وتآكلت فيه الخدمات، وانهارت فيه مؤسسات الدولة، تبدو أولويات السلطة بعيدة تمامًا عن معاناة المواطنين الحقيقية. فبدلًا من الانشغال بإيقاف نزيف الدم، أو معالجة الكارثة الإنسانية، أو إعادة الكهرباء والمياه والمستشفيات، تنشغل السلطات بملاحقة المساحات الاجتماعية القليلة التي يحاول الناس من خلالها الهروب من واقع الحرب والخوف.

الكافيهات وأندية المشاهدة لم تكن مجرد أماكن للترفيه، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى متنفس اجتماعي وثقافي للشباب، ومساحات يلتقي فيها الناس بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والحرب. لكن يبدو أن أي مساحة حرة خارج سيطرة السلطة تظل مصدر قلق دائم للعقلية التي اعتادت إدارة المجتمع عبر المنع والتقييد.

ما يحدث اليوم يعيد السودان تدريجيًا إلى أجواء مرحلة الإنقاذ، حين كانت الدولة تتدخل في تفاصيل حياة الناس اليومية، وتتعامل مع المجتمع باعتباره قاصرًا يحتاج إلى “وصاية أخلاقية” مستمرة. تلك السياسات لم تبنِ مجتمعًا أكثر التزامًا كما زعم أصحابها، بل خلقت حالة من النفاق الاجتماعي والكبت، ودفعت قطاعات واسعة من الشباب إلى النفور من الخطاب الرسمي كله.

المفارقة أن هذه الإجراءات تأتي في وقت يعيش فيه السودانيون واحدة من أسوأ لحظاتهم التاريخية. ملايين النازحين، ومدن مدمرة، واقتصاد منهار، وخوف يومي من الموت والجوع، ومع ذلك لا تزال بعض دوائر السلطة ترى أن الخطر الحقيقي يكمن في مقهى أو شاشة عرض لمباراة كرة قدم.

إن التضييق على الحياة العامة لا ينتج الاستقرار، بل يزيد من الاحتقان والعزلة واليأس، خصوصًا لدى جيل شاب يعيش أصلًا تحت ضغط الحرب والبطالة وانعدام المستقبل. فالمجتمعات لا تُدار بالعصا والمنع، بل بالثقة والحريات وفتح المجال العام أمام الناس ليعيشوا حياتهم بصورة طبيعية.

كما أن العودة إلى خطاب “الضبط الأخلاقي” تكشف بوضوح أن بعض القوى المسيطرة على المشهد لا تزال تفكر بالعقلية القديمة نفسها؛ عقلية ترى أن السيطرة على المجتمع تبدأ من مراقبة سلوك الناس اليومي، لا من بناء دولة قانون ومؤسسات.

السودانيون لم يخرجوا في ثورة ديسمبر فقط ضد أزمة اقتصادية أو سلطة سياسية، بل ضد نموذج كامل من الحكم يقوم على القمع والتدخل في حياة المواطنين الخاصة والعامة. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج ذلك النموذج، حتى تحت مبررات جديدة، ستصطدم بالوعي الذي صنعته سنوات الثورة والمعاناة.

الناس في السودان لا يحتاجون إلى مزيد من القيود، بل إلى دولة تحمي حقوقهم وكرامتهم، وتوفر لهم الأمن والخدمات وفرصة العيش بسلام. أما إعادة إحياء سياسات الكبت الاجتماعي، فلن تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع، وإعادة إنتاج الأزمات نفسها التي دفع السودانيون ثمنها لعقود طويلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.