الإسلام السياسي والعسكر في السودان.. كيف شكل النفوذ المصري وأزمة السيادة الوطنية؟

اكرم ابراهيم البكري

منذ صعود الحركة الإسلامية السودانية إلى السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989 في السودان تشكلت علاقة معقدة ومتناقضة بينها وبين الدولة المصرية، وهي علاقة تجاوزت البعد الأيديولوجي التقليدي بين الحركات الإسلامية والدولة القومية لتتحول إلى نمط من البراغماتية السياسية التي أعادت إنتاج التبعية الجيوسياسية للسودان داخل المجال المصري في وادي النيل. وعلى الرغم من الخطاب التعبوي الذي رفعته الحركة الإسلامية السودانية حول الاستقلال الحضاري ومقاومة الهيمنة الخارجية وبناء المشروع الإسلامي المستقل، إلا أن مسارها العملي أظهر استعداداً واسعاً للتكيف مع المصالح الاستراتيجية المصرية حتى في القضايا التي مست السيادة السودانية بصورة مباشرة.

تُعد حادثة محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 نقطة تحول مفصلية في العلاقة بين النظام الإسلامي السوداني والقاهرة، إذ وجدت الخرطوم نفسها تحت ضغط إقليمي ودولي هائل، وتم تحميلها مسؤولية توفير الغطاء السياسي واللوجستي لعناصر مرتبطة بالعملية. منذ تلك اللحظة دخل النظام السوداني في مرحلة إعادة تموضع قسري تجاه مصر، فانتقل من خطاب المواجهة الأيديولوجية إلى محاولة استرضاء الدولة المصرية بوصفها بوابة ضرورية لفك العزلة الدولية. وقد انعكس ذلك في التراجع شبه الكامل عن التصعيد في ملف مثلث حلايب وشلاتين بعد السيطرة المصرية عليه في منتصف التسعينيات، حيث اكتفى النظام السوداني باحتجاجات دبلوماسية محدودة دون اتخاذ خطوات تصعيدية حقيقية تتناسب مع حجم القضية السيادية. ويرى عدد من الباحثين أن هذا التراجع لم يكن مجرد ضعف عسكري أو سياسي، بل كان جزءٍ من مقايضة ضمنية هدفت إلى ضمان بقاء النظام الإسلامي في السلطة مقابل تجنب الصدام مع القاهرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.