جولات وزيارات البرهان: جس نبض الشعب تمهيدا للترشيح لرئاسة الجمهورية.. ام إعادة للهيبة المفقودة؟
بكري الصائغ
ظاهرة غريبة لم تفت علي احد من الذين دابوا علي في قراءة الاخبار بعناية ، وفهم ما بين السطور، ولكي نعرف حقيقة هذه الظاهرة، لابد ان نعود الي حدث وقع في يوم الاثنين ٢/ ابريل الماضي ٢٠٢٦، ففي هذا اليوم قام رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان بتعيين الفريق أول ركن ياسر العطا رئيسا جديدا لأركان الجيش السوداني، هذا التعيين يعني بكل وضوح، ان العطا قد اصبح هو صاحب الكلمة الاولي في الجيش، وان كل القيادات العسكرية كلها بلا استثناء تخضع له، وانه بلا منافس الرئيس الاعلي علي كل القادة العسكريين والضباط بمختلف رتبهم العسكرية.
تعيين ياسر العطا رئيسا جديدا لأركان الجيش، يعني بلا جدال، ان منصب البرهان كقائد اعلي للقوات المسلحة هو “منصب صوري”، وان البرهان لا يستطيع اتخاذ أي قرارات عسكرية الا بعد الرجوع لرئيس لهيئة الاركان، او كما جاء في المثل المصري المعروف “العين ما تعلي علي الحاجب”، وجاء في تفسير هذا المثل: “يرمز الحاجب إلى الشخص الأعلى شأناً (الأب ، المدير، الخبير) والعين للشخص الأقل، فلا ينبغي للأدنى أن يتطاول على الأعلى”.
يبدو ان البرهان وبعد تعيينه العطا رئيسا جديدا لأركان الجيش، قد شعر بفداحة الخطأ الجسيم الذي ارتكبه، وجاء هذا الشعور عنده، بعد ان لاحظ البرهان ارتفاع اسهم العطا وسط الضباط والجنود بصورة لم تكن بهذا الحجم الكبير، وان القادة العسكريين فرحوا بتعيين العطا، هذا الفرح كان نابع من ان العطا هو الاقرب اليهم من البرهان، فهم كضباط وجنود لم ينسوا ان العطا هو من شارك معهم في القتال ضد قوات “الدعم السريع”، وظل باقيا في ساحات القتال، في الوقت الذي هرب فيه البرهان ونائبه العسكري كباشي الي بورتسودان في شهر اغسطس عام ٢٠٢٣، ومن بعدهم عقار وجبريل ومناوي، ومازالوا بها حتي اليوم، لا يشاركون في قتال او حتي مجرد ظهور في ساحات المعارك، ان القادة العسكريين قد حز في قلوبهم كثيرا انشغال البرهان وكباشي وجبريل ومناوي في أمر تقسيم “كعكة” السلطات فيما بينهم، ونسوا تماما وخرجت من ذاكرتهم ما يدور في جبهات القتال.
هنا -وكما جاء في المثل المعروف- “طارت السكرة وجاءت الفكرة”، انتبه البرهان الي حقيقة وضعه المزري، وانه اصبح “عسكريا” مهمش وصفر علي الشمال، شعر البرهان ان هناك سخط شعبي عارم ضده بسبب التصرفات والتصريحات السياسية والعسكرية الممعنة في الغباء التي صدرت منه، وان الصحف السودانية والاجنبية قد نشرت الكثير عن السلبيات والفساد في نظامه، وعدم قدرته علي اتخاذ اجراءات حقيقية صارمة تعيد الانضباط في الولايات الخاضعة له.
ان الشيء الذي يوجع البرهان ويؤلمه، ان كل المواطنين داخل البلاد وخارجها، قد وصلوا الي قناعة ان من يحكم البلاد من بورتسودان هي “الحركة الاسلامية”، وانه “البرهان” اصبح نائبا لعلى كرتي، وان الشعب ما عاد يثق في قدرته على استعادة الامور.
لم ييأس البرهان وانقطاع امله في استرجاع ما ضاع منه، واخذ يسعي جاهد بكل الطرق لاسترداد ما ضاع منه وآلت للعطا وكرتي، وكانت اولي محاولاته القيام بزيارة للسعودية في محاولة منه لاقناع المسؤولين هناك، ان يعيدوا النظر في صفقة الاسلحة الملغاة، التي سبق ان ابرمتها السعودية مع باكستان لشراء اسلحة متطورة بمبلغ (١،٥) مليار دولار لصالح الجيش السوداني، ويعود سبب الالغاء الي قيام البرهان بتعيين (الإخواني) العطا رئيسا لهيئة الاركان، الامرالذا اغضبالسعودية كثيرا، رجع البرهان من جدة بلا أي نجاح يعود لصالحه.
سافر البرهان بعدها الي سلطنة عمان، وقد استغرب الناس من زيارة هذه الدولة “المغيبة” سودانيا، ولم نسمع ان كان لها رأي في الشان السوداني من قبل!!، وعرفنا فيما ان سبب هذه الزيارة الغريبة، كان بغرض “حسنة لله يا محسنيين”!!
وبالطبع، وكعادة البرهان بعد كل زيارة خارجية قام بها، كان لابد ان يعرج علي القاهرة، ليقدم للسيسي تقرير عن زيارته للسعودية وسلطنة عمان، الشيء الذي لا يختلف حوله اثنان، ان كل هذه الزيارات لم ترفع من رصيده ولا رفعت اسهمه الذي يوالي الهبوط في السودان.
رجع البرهان الى الخرطوم، وبدأ في تنفيذ الخطة الجديدة لاستعادة مكانته التى ضاعت منه يوم سلم زمام امور البلاد لتنظيم “حركة الاسلامية”، وسلم الجيش لياسر “الإخواني”، وسكت عن جرائم ومجازر المليشيات الإسلامية و”براء بن مالك”، وغض النظر عن فساد المقربين منه، والنهب الذي طال مواد الاغاثة.
لجأ البرهان الي خطة تكثيف زياراته بصورة خاصة لثكنات رفقاء السلاح والالتقاء بهم في معسكراتهم، بهدف اشعارهم انه مازالوا في ذاكرته، خلال الايام التي تلت زيارات البرهان الخارجية، قام بزيارات عديدة لمناطق شعبية أمنة وخالية من عيون الجنجويد، التقي بعدد من الاسر والعائلات وشرب معهم القهوة والشاي باللقيمات، وقام بزيارات وقدم تعازيه لبعض العائلات، اما اغرب “فيلم هندي” مثله البرهان، ما نشر بالصحف قبل اربعة ايام مضت، انه “البرهان” واثناء طوافه بعربة بوكس باحدي الشوارع الرئيسية، قام بالسماح لبعض المواطنين بركوب البوكس معه وتوصيلهم الى مبتغاهم، بعض مواقع التواصل -“التابعة للسلطة”-، قامت بتصوير الفيلم الهندي وبثه علي نطاق واسع.
فجأة وبدون مقدمات بعد هذه الزيارات الخارجية والداخلية الكثيرة التي قام بها البرهان، ظهرت علي الفور بعض المقالات والتعليقات التي طرحت سؤال حول الهدف من هذه الزيارات، وما غرض البرهان منها؟!!، بعض القراء علقوا على ان الهدف من هذه الزيارات، قيام السلطة في بورتسودان ب”جس نبض” الشعب، وان كانت الغالية علي استعداد لقبول ترشيح البرهان نفسه لمنصب الجمهورية؟!!
نشر موقع “العنكبوت ميديا” في يوم ٣/ ابريل الحالي ٢٠٢٦، خبر تحت عنوان “هل سيتقلد عبد الفتاح البرهان رئاسة جمهورية السودان بعد تحركات لاعضاء مجلس السيادة العسكريين الي المؤسسة العسكرية” مفاده :- أثارت التعيينات الأخيرة في صفوف القيادات العسكرية والسيادية جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية السودانية والدولية، بعد ترقية الفريق الركن ياسر العطا إلى قيادة الأركان، وتكليف الفريق أول ركن محمد الكباشي بمنصب قائد عام الجيش، مع توقعات متزايدة بتولي القيادي جابر مهام تنفيذية مدنية في إدارة مستقبلية ذات طابع سيادي. في الخلفية يطفو اسم الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية، ما أثار تساؤلات حول سيناريو انتقال السلطة وآلياته.- انتهي-
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.