الجميل الفاضل يكتب: وهل آن أوان “بلا” الثانية؟! 

 

فيما يعبر العالم “برزخاً” رهيباً، كالذي لمح له أنطونيو غرامشي، حين قال: “إن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد”.

فما بين حشرجة موت القديم، وصيحة ميلاد الجديد، تتكاثر الأشباح، وتخرج من شقوق الزمن أعراضٌ مرضية، كأنها بثور طفحت علي جلد حضارةٍ هرمة.

في خلاء الدنيا الواسع، تتعثر البشرية علي ركام يقينياتها المنهارة، ليبدو ترامب رئيس أكبر دولة حاضرة، وكأنه أداةٌ دفعتها يدُ القدر إلى المسرح، كجرافة عمياء، صعدت لتقتلع الأنقاض المتراكمة علي بوابات العالم السرية.

ترامب، في جوهر رمزيته، ليس أكثر من “معولٍ” ضخم يضرب الجدار الأخير لهذا النظام الدولي الذي يتداعى، كي يفتح، ثغرةً لريح عاصفة تهب من خارج الطقس.

أما على المقلب الآخر، فقد تمددت الحركة الإسلامية كطحلبٍ أسود ران علي روح البلاد، اختلط عنده المقدّس بالمدنّس، و”الدين بالجريمة المنظمة” كما قال “بن لادن”، قبل أن يتحول الوحي لديها من نبعٍ للروح إلى أداةٍ لإدارة الخراب.

ولذا، فإن إدراج ترامب لهذه الحركة ضمن استراتيجيات مكافحة الإرهاب، بعد تصنيفها كجسمٍ مارق، يبدو وكأنه قد جاء في صورة من صور “مكر التاريخ”، في لحظةٌ من لحظات “التجريف الغرامشي”، الذي ازاح طبقات متحجرة حجبت وجه السودان الحقيقي عن الناس.

في لحظة وكأنما القدر أراد أن يقول لنا فيها:

لا يمكن للبذرة أن ترى الشمس، ما لم تُقلب التربة، وتُحرث الأرض.

في هذا السياق لا يعود ترامب مجرد رجل سياسة، لكنه قد يتحول رمزياً، إلى “بلدوزر للتاريخ”، يقتحم المغارات المغلقة، ويضرب بقرنه جدران الهيمنة والتمكين، ليحرر “الودائع المكنونة” بأرض السودان من أسر الطحالب التي شوّهت وجه النيل، وأطفأت انعكاسات المرايا علي نفوس الناس. إذ هكذا تظل الودائع دوما مطوية في الخلائق الي حين مجيء أوقاتها.

قبل أن يهمس غرامشي من عزلته:

إن “القيصر” لا يظهر إلا عندما تتعادل القوى المتصارعة في لحظة شللٍ كبرى، ليصبح الفراغ نفسه باباً للعبور.

الأهم هو أن أخطر ما تفعله هذه الإدارة الأميركية، ليس هدم قواعد السياسة الدولية وحدها، لكنها تهز في الواقع البنية النفسية للعالم هزا عنيفا جدا.

فبإماطة هذه الإدارة اللثام عن ملفات “إبستين”، وبإثارتها لأسئلة اغتيال “كينيدي”، وببعثرتها غبار الصمت عن “الأجسام الطائرة”، يبدو وكأنها تشق سقف المسرح الدولي، كاشفةً الخيوط التي ظلت تحرّك الدمى أمام النظارة لعقود.

فترامب ورجاله لا يفتحون الآن ملفات فقط، بل يفتحون بابا علي الجحيم أو نحو “الهاوية”.

إذ حين تسقط الأقنعة، يتبخر “الرضا الزائف” الذي قامت عليه هذه المنظومة الدولية البالية، لتدخل البشرية في عوزٍ روحي مرعب، وجوعٍ لإعادة التعرف علي أصلها وغاية وجودها علي ظهر هذا الكوكب، وعطشٍ لنبع بعيد، يعيد الإنسان، الي جواب هويته الأولي عن سؤال: “ألست بربكم؟” الذي يبدو عموما، أنه قد آن أوان التحقق به. علي أية حال، فنحن الآن أمام لحظة فارقة، ستُخرج السودان من قمقمه، لا كدولةً منكوبة أو فاشلة، لكن كمختبر روحي لإنتاج حياة إنسانية عامرة بالصدق، والعدل، والخير، والحب، والجمال.

وبطبيعة المهام الصعبة فانها، لا تنجزها أيدي ناعمة، لكن جرافات لا تخشى الغبار.

المهم فبينما ينشغل الناس بزلزال يهدم هياكل العالم المادية التي شاخت، تتشكل في صمتٍ عميق ملامح دور السودان المؤجل أو المرتقب، ذلك الدور الذي ظل مختبئاً في رحم المحنة، ينتظر لحظة المخاض الكبرى.

لقد نضج “الحصرم” السوداني تحت نار هذه الحرب، وتحت معاول الاقتلاع المنتظر، بعد أن قُطعت الأفنان اليابسة من شجرةٍ أنهكها الطاعون.

إذ كل شجرةٍ أراد الله لها أن تثمر، لا بد أن تمر أولاً بفصل من العواصف الماطرة.

أتصور انه بينما يضرب زلزال عنيف قلب النظام العالمي، ستبدأ في مكانٍ ما من هذا الخراب، راياتٌ خفية بالارتفاع فوق الجبال، كأن الأرض نفسها تستعد اليوم لاستقبال عهد السودان كقدوة.

لا باعتباره إمبراطورية قوة، لكن باعتباره إشراقاً أخلاقياً ملحمياً جديداً، وخروجاً آخر من هذا التيه الإنساني الطويل. فالسودان، الذي أشارت له نبوءات التوراة القديمة كأرضٍ للقوة والشدة والدوس، وكأحد أسرار “الثُلّة المستكملة”، وفق تعبير نبي الإسلام، لا يخرج هو اللحظة من عمق الركام فقط، بل سيخرج من نسق التاريخ الذي اعتدناه نفسه.

وكأن بلاده، بعد كل هذا الحريق، ستعود من جديد إلى صورتها الأولى؛

أرضاً تُغسل بالنار لتستعيد نقاءها الأول.

فما نشهده حقيقة هنا، ليس مجرد صراعٍ سياسي بين أطراف، بل هو طقساً كونيّاً هائلاً:

الجرافة فيه تهدم، كي يتهيأ الملكوت للظهور.

والخراب يبلغ ذروته، لأن الفجر صار قريباً إلى هذا الحد.

إنه “الخلاء” الذي سيتبعه جلاء، والصمت الذي يسبق نفحة او نفخة، والظلمة التي يتكوّر في رحمها الضوء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.