الدبلوماسية المختطفة.. الإسلاميون في واجهة سفارات السودان

تقرير: عين الحقيقة

في وقتٍ تتفاقم فيه معاناة السودانيين داخل البلاد وخارجها، تتزايد انتقادات واسعة لأداء السفراء والدبلوماسيين السودانيين في عدد من العواصم الإقليمية والدولية، على خلفية تحوّلهم إلى أدوات سياسية تخدم مشروع الحركة الإسلامية أكثر من تمثيلهم لمصالح «رعاياهم» السودانيين.

 

وبحسب دبلوماسي سوداني بالخارج فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة»، فإن أكثر من 60 سفيرًا ودبلوماسيًا ما يزالون يشكلون امتدادًا لدولة الظل الإخوانية التي سعت ثورة ديسمبر إلى تفكيكها وإنهاء نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي.

 

وفي ضوء ذلك، قال سفير سوداني فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» لدواعٍ أمنية إن عددًا كبيرًا من السفراء الحاليين لا يتحركون باعتبارهم ممثلين لدولة سودانية محايدة، بل باعتبارهم جزءًا من شبكة سياسية وأمنية مرتبطة بالحركة الإسلامية، مضيفًا أن بعض البعثات تحولت عمليًا إلى غرف علاقات عامة لحكومة بورتسودان، في محاولة لتسويقها خارجيًا رغم الجدل الواسع حول شرعيتها السياسية.

 

وتواجه حكومة بورتسودان انتقادات متزايدة بسبب استمرار الحرب وتعثر مسارات السلام، إلى جانب عدم اعتراف الاتحاد الإفريقي بها كحكومة انتقالية توافقية على خلفية انقلاب 25 أكتوبر 2021، إذ لا تزال المنظمة الإفريقية تتمسك بموقفها الرافض لأي ترتيبات تُكرّس الحكم العسكري أو تعيق الانتقال المدني الديمقراطي.

 

ويرى مراقبون أن عددًا من الدبلوماسيين السودانيين استغلوا حالة الارتباك الدولي تجاه الحرب في السودان، والانقسام الإقليمي حول أطراف النزاع، لمحاولة إعادة تقديم الحركة الإسلامية كشريك سياسي يمكن التعامل معه في مرحلة ما بعد الحرب، رغم التصنيف الأمريكي السابق للحركة الإسلامية السودانية وارتباط نظام الإنقاذ بشبكات التطرف والعقوبات الدولية.

 

وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة تحدثت لـ«عين الحقيقة»، فإن بعض السفارات السودانية ركّزت خلال الأشهر الماضية على تقديم خدمات ذات طابع سياسي وانتقائي، تستهدف تعزيز الولاء للسلطة القائمة في بورتسودان، بدلًا من توجيه جهودها نحو معالجة أوضاع السودانيين العالقين واللاجئين في دول الجوار.

 

وفي مصر، التي تستضيف الملايين من اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، تتزايد شكاوى اللاجئين من ضعف الاستجابة القنصلية وتعقيد الإجراءات المتعلقة بالجوازات والأوراق الثبوتية، إلى جانب بطء التعامل مع الحالات الإنسانية الحرجة.

 

ويقول لاجئون سودانيون في القاهرة إن السفارة السودانية تعاملت ببرود مع الأزمة الإنسانية، بينما انشغل مسؤولوها ـ بحسب وصفهم ـ بـتنظيم الفعاليات السياسية ومحاولات الحشد الإعلامي لصالح سلطة الأمر الواقع.

 

وأضاف أحد اللاجئين لـ«عين الحقيقة» أن السودانيين في مصر كانوا يتوقعون من بعثتهم الدبلوماسية أن تتحرك لحمايتهم قانونيًا وإنسانيًا، لكن الأولوية ذهبت للعمل السياسي والتعبئة المرتبطة بالحرب.

 

كما أشار مراقبون إلى أن بعض الدبلوماسيين السودانيين بالخارج تبنّوا خطابًا متشددًا يعكس توجهات الحركة الإسلامية أكثر من لغة الدولة الرسمية، خاصة فيما يتعلق بمواقف الحرب والتفاوض، الأمر الذي أثار حرجًا لدى عدد من الدول المستضيفة والمنظمات الدولية.

 

ويرى محللون أن استمرار سيطرة كوادر دبلوماسية من النظام السابق داخل وزارة الخارجية يعكس فشل عمليات الإصلاح المؤسسي التي أُعلنت عقب سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، إذ لم تُستكمل إجراءات إعادة هيكلة السلك الدبلوماسي أو مراجعة التعيينات التي تمت خلال سنوات حكم الإنقاذ.

 

ويؤكد دبلوماسيون سابقون أن الحركة الإسلامية أدركت مبكرًا أهمية السيطرة على البعثات الخارجية باعتبارها إحدى أهم أدوات التأثير السياسي والأمني والمالي، لذلك عملت طوال العقود الماضية على تمكين كوادر موالية لها داخل السفارات والقنصليات السودانية حول العالم.

 

ومع استمرار الحرب الحالية، يخشى مراقبون من أن تتحول بعض البعثات الدبلوماسية إلى منصات لإعادة إنتاج نفوذ الإسلاميين دوليًا، مستفيدين من غياب الرقابة المؤسسية، وحالة الانقسام السياسي، إضافة إلى الانشغال الدولي بملفات إقليمية أخرى.

 

ويحذر متابعون للشأن السوداني من أن استمرار هذا الوضع قد يُعمّق عزلة السودان الخارجية، ويقوّض فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، خاصة في ظل تصاعد الشكوك الدولية بشأن القوى التي تدير المشهد من خلف السلطة القائمة.

 

وفي المقابل، تتزايد مطالب قطاعات واسعة من السودانيين بإعادة هيكلة وزارة الخارجية، وإبعاد العناصر الحزبية والأمنية عن العمل الدبلوماسي، بما يضمن استعادة البعثات السودانية لدورها الطبيعي كمؤسسات لخدمة المواطنين والدفاع عن مصالح الدولة، لا كأذرع سياسية لتنظيمات أو جماعات فقدت شرعيتها لدى الشارع السوداني.

 

وفيما يواصل السودانيون دفع ثمن الحرب نزوحًا وجوعًا وتشريدًا، تبدو الحركة الإسلامية وكأنها تخوض معركتها الأخيرة عبر بوابة الدبلوماسية، مستغلة السفارات والبعثات الخارجية لإعادة تدوير مشروع أسقطه الشارع بثورة ديسمبر.. إلا أن محاولات الاحتماء بالحرب، وتجميل سلطة الأمر الواقع، لن تمحو ذاكرة السودانيين المثقلة بثلاثة عقود من القمع والفساد والعزلة والانهيار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.